آخر تحديث: 22 / 6 / 2024م - 1:39 ص

فائدة لغوية «51»: ”مجنون.. أصلًا ومعاني“

الدكتور أحمد فتح الله *

أصل ”الجنون“ من ”جنن“، والجَن: ستر الشيء عن الحاسة «كالعين والأذن». يقال: جَنَّه: ستره، وأجنه جعل له ما يجنه، وجن عليه كذا: ستر عليه، قال عز وجل: ﴿فلما جن عليه الليل رأى كوكبا [الأنعام: 76].

والجنان: القلب، لكونه مستورًا عن الحاسة،

والمِجَن والمِجَنَّة: الترس الذي يجن صاحبه. ومنه قوله تعالى: ﴿اتخذوا أيمانهم جنة [المجادلة: 16]،

والجنين: الولد ما دام في بطن أمه، وجمعه: أجِنَّة. قال تعالى: ﴿وإذ أنتم أجنة في بطون أمهاتكم [النجم: 32]، والجنين أيضًا: المقبور، «مقاييس اللغة، لسان العرب»، والجَنَن: القبر «شمس العلوم، لنشوان الحميري»، وذلك لستره الميت.

و”الجِن“، مقابل ”الأنس“ «البشر»، هم الكائنات المستترة عن حواس الإنسان، وقيل بهذا تدخل فيه الملائكة والشياطين.

والجِنَّة: الجِن. قال تعالى: ﴿من الجِنة والناس [الناس: 6]، وقال تعالى: ﴿وجعلوا بينه وبين الجِنَّة نسبا [الصافات: 158]. و”الجِنَّة“: ”الجنون“ أيضًا، قال تعالى: ﴿ما بصاحبكم من جِنة [سبأ: 46] أي جِنْ، أو جنون،

و”الجنون“: حائل بين النفس والعقل، و”جُنَّ“ فلان: أصابه الجنن، أو: أصيب جنانه «أي قلبه»، وقيل: حيل بين نفسه وعقله، فجن عقله بذلك، فهو ”مجنون“: ذاهب العقْل أَو فاسده «المعجم الوسيط»، والمغطى العقل «معجم متن اللغة». والمجنون، مَنْ به جِن، كما سبق ذكره، لذا ”مجنون“، كما في قوله تعالى: ﴿معلم مجنون [الدخان: 14]، وفي قوله تعالى: ﴿أئنا لتاركوا آلهتنا لشاعر مجنون [الصافات: 36] أي: ضامه مَنْ يعلمه مِنْ الجن.

وفي كتابه ”شعر الجن في التراث العربي“ «2012م» يستشهد الدكتور عبدالله الرشيد للشأن الكبير للشعر عند العرب ونحلهم الكلام البليغ للكهان والعرافين، ونظرتهم للشاعر على أنه إنسان غير عادي، وبهذا يتضح الربط بين الجن والسحر والشعر والجنون عندهم، كما يتضح المقصود من وصف قريش للنبي ﷺ بـ ”المجنون“، لأنهم عاشروه وخبروا صحته العقلية والنفسية. لذا في قوله تعالى: ﴿وإن يكاد الذين كفروا ليزلقونك بأبصارهم لما سمعوا الذكر ويقولون إنه لمجنون…وما هو إلا ذكر للعالمين [آل عمران: 51-52]، يقول المفسرون: وذلك أن الكفار أرادوا أن يصيبوا رسول الله «صلى الله عليه وآله سلم» بالعين فنظر إليه قوم منهم وقالوا: ما رأينا مثله ولا مثل حججه. وفي قوله تعالى: ﴿ما أنت بنعمة ربك بمجنون «القلم: 2» يذكر الشيخ الطبرسي «رحمه الله» في تفسيره «مجمع البيان»: ”لست يا محمد بمجنون بنعمة ربك... فانتفى عنه الجنون، وقيل هو كما يقال ما أنت بمجنون بحمد الله، وقيل معناه بما أنعم عليك ربك من كمال العقل والنبوة والحكمة لست بمجنون أي لا يكون مجنونا من أنعمنا عليه بهذه النعم.“ [1] 

[1]  هناك معانٍ أخرى لمفردة ”مجنون“ في المعاجم العربية. ومن بعض لطائفها: الدُّولَابُ الَّتِي يُسْتَقَى عَلَيْهَا يقال لها: ”المجنون“، وَيُقَالُ: ”الْمَنْجَنِين“ «مختار الصحاح، للرازي». والعرب تقول عن النخلة المفرطة الطول: ”المجنونة“ «المعجم الوسيط»، وهي مؤنث ”مجنون“.
تاروت - القطيف