آخر تحديث: 22 / 6 / 2024م - 1:39 ص

فائدة لغويّة  «58»: غريب القرآن.. نُبذة للتوضيح

الدكتور أحمد فتح الله *

مدخل

هناك مَن ينكر وجود ألفاظ ”غريبة“ في القرآن الكريم، وهناك مَن يقول بوجودها مع قلتها، والبعض يراها كثيرة «جدًا». ولكنّ الجدير بالذكر والاهتمام هو أنّ ”الغرابة“ ليست بالمعنى اللغوي الذي يتبادر إلى الذهن العام، إضافة إلى أنّ ”غريب القرآن“ هو مصطلح في ”علوم القرآن“ التي تهتم بكل ما يتعلق بالقرآن الكريم مِن معارف.

كلمة  ”غريب“  في كتب اللغة العربية «مادة غرب»

غَرُبَ‌ الشخص: بَعُد عن وطنه، فهو غَرِيبٌ‌، وجمعه‌ غُرَبَاء، وأغرب: جاء بشي‌ء غريب بعيد من الفهم «المصباح المنير للفيومي». ورجل غريب: ليس من القوم، وأغرب الرجل جاء بشيء غريب «لسان العرب لابن منظور». وتكلم فأغرب إذا جاء بغرائب الكلام ونوادره، وغربت الكلمة: غمضت فهي غريبة ومنه مصنف الغريب «إحساس البلاغة للزمخشري».

فاللّفظ الغريب إذًا هو الغامض من الكلام، والذي مات استعماله فصار من الحوشي ويحتاج في تعريف دلالته إلى المعجمات. «دلائل الإعجاز في علم المعاني، عبد القاهر الجرجاني ص 36». ويوضح أبو سليمان حمد الخطابي في ”معالم السنن“ أن غريب الكلام: ”يقال به على وجهين، أحدهما: أن يراد به إنّه بعيد المعنى غامضه لا يتناوله الفهم إلا عن بعد ومعاناة وفكر، والوجه الآخر: أن يراد به كلام مَن بعدت به الدِّيار من شواذ قبائل العرب فإذا وقعت إلينا الكلمة من لغاتهم استغربنا“ «غريب القرآن، فخر الدين الطريحي، 1986م، ص: 5».

أمّا ”غريب القرآن“، فله مدخلان، أحدهما من جهة غرابة الألفاظ، والآخر من جهة المصطلح ومفهومه.

الأول:  توجيه غرابة الألفاظ

رسالة الإسلام جاءت بلسان قوم المُرسَل «صلّ الله عليه وآله وسلم» وهذا القوم مكوّن من قبائل بلغات عربيّة ببعض مفردات لا تشاركها فيها قبائل أخرى أو لا تشترك معها في المعاني، وأحيانًا بمعانٍ متضادة، وقد استخدم القرآن الكريم بعضها، وبعضًا من الألفاظ التي تعرّبت أو اُقْترضت من اللغات الأعجميّة المحيطة، في تناسق تام مع نغم وجرس ألفاظه العام وعربيته البيّنة وبيان أسلوبه المتفرد، ومع روح الرسالة الكليّة في القرآن العربي المبين. إضافة إلى أنّ هذا الاستعمال ظاهرة طبيعيّة في التداول اللغوي وليس عيبًا بل توظيفًا يستدعيه النص أو النّاص لرسائل يرسلها، وعلى المتلقي التأمل والتدبر فيها لعلّه يصل إلى بعض مضامينها.

الثاني:  غريب القرآن كمصطلح لمفهوم

وصف ابن الأثير ”غريب القرآن“ في النهاية، فقال: وفي العصر الثاني «لرسول الله ﷺ» كان اللسان العربي عندهم صحيحًا محروسًا لا يتداخله الخلل، ولا يتطرق إليه الزلل إلى أن فُتحت الأمصار وخالط العرب غير جنسهم من الروم والفرس والحبش والنبط وغيرهم من أنواع الأمم الذين فتح الله على المسلمين بلادهم، فاختلطت الفرق، وامتزجت الألسن، وتداخلت اللغات، ونشأ بينهم الأولاد، فتعلموا من اللسان ما لا بد لهم في الخطاب منه، وحفظوا من اللغة ما لا غنًى لهم في المحاورة عنه، وتركوا ما عداه لعدم الحاجة  إليه وأهملوه لقلة الرغبة في الباعث إليه، فصار بعد كونه من أهم المعارف مطرحًا مهجورًا، فما انقضى زمانهم على إحسانهم إلا واللسان العربي قد استحال أعجميًّا أو كاد فلا ترى المستقل به والمحافظ عليه إلا الآحاد «مقدمة النهاية، ج3، ص4».

ولهذا بدأت كتب غريب القرآن أول الأمر مقتصرة على الغريب القليل من لغات العرب والمُعرّب من لغات الأمم الأخرى فقط فجاءت المفردات المفسرة والعبارات قليلة في الكتب المتقدمة مثل ”غريب القرآن“ لأبي عبيدة معمر بن المثنى «ت: 209هـ» و”غريب القرآن“ لابن قتيبة الدينوري «ت: 276هـ» حتى جاء الراغب الأصفهاني «ت: 502هـ» وشمل كتابه المشهور ”مفردات غريب القرآن“ جميع مفردات القرآن وتبعه كثير مِمَن صنف بعده في هذا العلم؛ على الأقرب مراعاة لغير العرب ليعرفوا دلالات جميع المفردات القرآنيّة.

تاروت - القطيف