آخر تحديث: 15 / 6 / 2026م - 4:00 م

القرارات الملكية وبناء العهد الجديد

سراج علي أبو السعود * صحيفة الشرق

القرارات الملكية الأخيرة التي طالت كثيراً من الوزارات تكشف بوضوح العزم والرغبة في صناعة مستقبل أكثر تميزاً لهذه القطاعات الحيوية، في هذا السياق يبدو الحديث عن الظروف القادرة على صناعة هذا التميز وبناء أسباب المحافظة عليه مستقبلاً هو غاية في الأهمية، ذلك أنَّ أي منظمة ينبغي أن تبقى بذات المستوى حتى وإن تغيرت إداراتها المختلفة، وهذا ما لا يمكن تحقيقه دون إعادة صياغة حزمة الأنظمة والقوانين ومستويات الجودة والمواصفات المطلوبة، ودون عمل ذلك سيبقى أداء هذه الوزارة مرهوناً فقط بأداء «شخص» قد يتغير يوماً فتعود هذه الوزارة إلى سابق عهدها.

الحديث هنا عن القائد الإداري ممثلاً في شخص الوزير هو بالتأكيد حديث عن أحد أهم عناصر النجاح، غير أنَّه ومهما بلغ من تميز يبقى محتاجاً لنخبة من «الموارد البشرية» القادرة على ترجمة أهدافه وخططه إلى واقع ملموس على الأرض، من هنا فالحديث عن عوامل جذب الموارد البشرية الجيدة في الوزارات المختلفة هو حديث مهم، إذ حينما لا تستطيع تحقيق ذلك ستبقى دائما مفتقدة لشرط أساسي ومهم من شروط التطوير، قد يتسبب في عدم قدرتها على تحقيق أي من أهدافها المرسومة.

أعتقد أن أي متأمل يستطيع ملاحظة أن مميزات العمل في القطاع الحكومي لا سيما للجامعيين هي أقل منها في القطاع الخاص وبفرق واضح، وهذا في رأيي سبب كاف ومهم لغياب الدافع الحقيقي لانضمام هذه الكفاءات لهذا القطاع، فالراتب والتأمين الصحي للموظف وعائلته وربما قرض السكن كلها أسباب منطقية للمفاضلة وغلبة القطاع الخاص، لذا لا أعتقد أن هناك بديلاً عن إعادة تشكيل سلم للأجور والمميزات الوظيفية في الوزارات المختلفة يُراعى فيه التنافسية والمعدل العام للأجور في سوق العمل، والاستمرار على السلم الحالي ربما لن يمنح الوزير الفرصة لتدعيم محيطه الوظيفي بالكفاءات الجيدة وبالنتيجة لن تتشكل بيئة عمل مساعدة على البناء وخدمة المجتمع بالشكل المطلوب.

يمتلئ الوطن بكثير من الكفاءات العلمية والخبرات المهنية القادرة على العطاء استشارياً أو وظيفياً، وهذه ثمرة واضحة من ثمرات برنامج الابتعاث الجامعي المعمول به، ولكن يبقى كل ذلك مشروطاً باستقطابهم من خلال «عوامل جذب» تنافسية، يُضاف إلى كل ذلك عنصرا المواصفات والمقاييس والرقابة على الجودة، كأمرين طالما كانا محل إشكال حقيقي لدي كثير من القطاعات الحكومية، فبناء الصروح العلمية والطبية والرياضية المختلفة وغيرها يحتاج لإدارات رقابية على تنفيذ المواصفات والمقاييس بالجودة المطلوبة أثناء الإعداد، وافتقاد هذا الجانب هو ما يجعل من غير المستغرب أن يجد الناس مدرسة أو مطاراً قد أضرَّت بهما يوماً عاصفة ممطرة وكشفت مستوى البناء الرديء فيهما.

القرارات الوزارية الأخيرة لها إشارات إيجابية كثيرة على الوطن، وتبقى الآمال معلقة عليها للارتقاء بهذه المنظمات والزج بالكفاءات العلمية والمهنية والاستشارية العالية فيها بحيث تتشكل فِرَق عمل تُسهم بأجمعها في تحقيق الأهداف والآمال الكبيرة بالشكل المطلوب، كل الدعاء والأمنيات لهم بالنجاح في مهامهم والنهوض بالوطن إلى أعلى الدرجات.