البُقشة والقُفّة… شيءٌ من دفء الماضي

لبعض الأشياء البسيطة قدرة على استعادة حياة كاملة؛ نراها، فتعود معها وجوه وأصوات وطرقات حسبنا أن الزمن طواها. والبُقشة والقُفّة من هذه الأشياء؛ رافقتا الناس في سعيهم، وحملتا حاجاتهم، وأخذتا مكانهما في البيوت، حتى صار في رؤيتهما شيء من ألفة أهلها.
تبدأ البُقشة بقطعة قماش تُبسط، وتوضع الحاجيات في وسطها، ثم تُجمع أطرافها وتُربط. وتأخذ القُفّة شكلها بين يدي من ينسج خوص النخيل، ويهيّئه لحمل ما يحتاج إليه الناس. تختلف مادتهما وطريقة صنعهما، وتجمعهما حكاية الإنسان وهو يدبّر شؤون يومه بما بين يديه، ويمنح الأشياء البسيطة قيمة باستعمالها والعناية بها.
مع الباعة المتجوّلين، كان لكلٍّ منهما نصيب من رحلة الرزق. تحمل الدلّالة بضاعتها في بقشتها، وتنتقل بها بين البيوت، فإذا حلّت عقدتها انكشفت الأشياء المعروضة للبيع، وبدأ تقليبها والسؤال عن أثمانها. ويحمل البائع قُفّته، في يده أو فوق رأسه، ويمضي بين الحارات، يعرض ما فيها ويترقّب نصيبه من البيع.
ويمكن أن نتخيّل لحظة جمع البضاعة بعد عرضها؛ تُرتّب الدلّالة ما بقي، وتضمّ أطراف القماش، ثم تشدّها استعدادًا للمضي. ويرفع البائع قُفّته، ويتابع طريقه إلى موضع آخر. حركات قليلة تختصر جانبًا من يوم عمل طويل، يتجدّد فيه الرجاء كلما فُتح باب أو اقترب مشترٍ.
وفي استعادة هذا المشهد، يحضر التعب إلى جوار الحنين. فما نحفظه اليوم بوصفه صورة من الماضي، عاشه أصحابه سعيًا ومسؤولية وانتظارًا لما يعودون به إلى أهلهم. ولعل أجمل ما نقدّمه لذكراهم أن نرى جهدهم كاملًا، وأن يبقى تقديرنا لصبرهم حاضرًا في حديثنا عن أدواتهم ومهنهم.
ولم تكن حكاية البُقشة والقُفّة مقصورة على البيع. فالقُفّة ترافق المتسوّق، يضع فيها ما اشتراه من خضار وفاكهة وخبز، ثم يعود بها إلى بيته. والبُقشة تجمع ثياب المسافر وحاجاته، وتبقى قريبة من يده؛ يفتحها حين يحتاج إلى شيء، ويعيد ربطها حين يستأنف رحلته. وهكذا اتّسعت لهما تفاصيل الحياة، من السوق إلى البيت، ومن الإقامة إلى السفر.
وللبقشة في السفر صورة قريبة من النفس؛ يحمل الإنسان بعض حاجياته في قطعة قماش، فيرافقه شيء مما ألفه. وقد يستدعي ثوبٌ في داخلها رائحة بيته، أو تذكّره طريقة ترتيبها باليد التي أعدّتها له. وعلى الطرف الآخر من الطريق، تعود القُفّة إلى بيت ينتظر ما فيها، فتُفرغ محتوياتها، وتبدأ بها تفاصيل وجبة أو حاجة من حاجات الأسرة.
وفي البيوت، كانت البُقشة تجمع الثياب وأدوات الزينة وبعض حاجيات الأطفال، وتحفظ ما قد يتفرّق منها. وللقُفّة موضعها أيضًا، تُؤخذ عند الحاجة وتُعاد بعد الفراغ. ومع تكرار هذه الحركات، تألف العين الأشياء، وتعرف اليد مواضعها، وتغدو جزءًا من نظام البيت وطمأنينته.
وراء هذا الحضور اليومي معرفة بما يصلح للحاجة. قطعة القماش يمكن بسطها وطيّها وربطها، والخوص يمكن نسجه في وعاء يُحمل ويُستخدم مرارًا. وفي كلٍّ منهما أثر يد تعرف عملها؛ يد تحكم العقدة لتطمئن إلى ما حفظته، وأخرى تتأنّى في النسج حتى يستوي الشكل ويصلح للاستعمال.
وتفتح القُفّة في المنطقة الشرقية بابًا على صلة الناس بالنخلة. فمن خوصها صنعوا ما يخدم يومهم، ووصلوا بين ما تمنحه البيئة وما تتطلّبه المعيشة. وحين نتأمل القُفّة، يحضر صانعها إلى جانب حاملها؛ أحدهما أودعها مهارته، والآخر اصطحبها في سعيه، ومن كليهما أخذت شيئًا من حكايتها.
وربما لهذا تبقى هذه الأدوات في الذاكرة. فقد تعيد بُقشة مربوطة صورة أمّ ترتّب الثياب، وتستدعي قُفّة وجه أب عائد من السوق، أو بائعًا عُرف مروره في الحارة. تختلف الذكريات من شخص إلى آخر، ويظلّ ما يمنح الأشياء قربها هو اتصالها بمن عرفناهم وألفنا حضورهم.
ومن الوفاء لهذه الحياة أن نحفظ ما بقي من أخبارها لدى الحرفيين وكبار السن؛ كيف كانت تُصنع هذه الأدوات، وما أسماؤها وأشكالها، وكيف اختلف استعمالها من بيت إلى آخر ومن مكان إلى آخر. فشهادة صغيرة، أو صورة قديمة، أو وصف دقيق، قد يقرّب إلى الأجيال الجديدة تفاصيل لم تعشها، ويمنح القطعة المعروضة في ركن تراثي صوتًا وملامح.
كانت البُقشة والقُفّة تحملان أشياء يحتاج إليها الناس، ثم مضى الزمن، وصارتا تستدعيان أصحاب تلك الأشياء. نرى أطراف القماش، ونتأمل الخوص المنسوج، فتلوح يد تجمع، وأخرى تحمل، وباب يُفتح للعائدين. ويبقى في الذاكرة، مع بساطتهما، شيء من دفء تلك البيوت.












