آخر تحديث: 26 / 10 / 2026م - 5:08 م

طبق سوشي ياباني وفاتورة وقود المطبخ

المهندس أمير الصالح *


تمهيد

لم أدرك حتى اللحظة السبب الرئيس لأكل أغلب اليابانيين بعض أطباق الأسماك النيئة «السوشي وساشيمي» وبعض أطباق اللحم النيئ «باساشي»، أو إعداد بعض الأطباق بطهي خفيف وسريع جدًا «نودل / شابو شابو»، لا سيما أن اليابانيين من أثرى شعوب الأرض. إلا أنني مقتنع إلى درجة ما بأن الاقتصاد الفردي لكل شخص يؤدي دورًا مهمًا في ذلك الأمر.

مقدمة 1

تاريخيًا، كان المطبخ الياباني يعتمد على طهي الطعام جيدًا حتى ينضج، بطرق كالشوي والقلي والسلق، إلى جانب القلي بطريقة «تمبورا». ولكن لاحقًا اشتهر المطبخ نفسه بإعداد أطعمة مثل سمك السلمون وتقديمها كشرائح مع أرز متبّل بالخل من غير طهي، كطبق السوشي، وبعض أطباق شرائح الدجاج النيئ في مدن يابانية. وأدركت لاحقًا أن هناك أسبابًا تاريخية ودينية واقتصادية لذلك التطور في أنماط الطهي باليابان؛ ويرجح البعض أن التغيرات الأخيرة في أنماط إعداد الطعام جاءت نتيجة ارتفاع فاتورة وقود الطهي وأزمة تأمين الطاقة باليابان. وقد أدت فاتورة الوقود الباهظة هناك إلى تعديلات في الذائقة الغذائية، وكذلك في سلوك بعض سكان اليابان.

مقدمة 2

مع كل إعلان دوري للبنك الدولي عن أرقام التضخم في دول العالم، أو إعلان بعض الدول إدراج ضوابط اقتصادية أو إجراءات وقائية أو إعادة هيكلة رسوم خدمات المواصلات العامة، أو مراجعة جداول رسوم الدراسات العليا في الجامعات، أو تعديل تعرفة خدمات الطاقة والوقود «الكهرباء / بنزين / ديزل» والمياه، تتعدد ردود الأفعال بين معظم الناس في مختلف الدول التي حدث فيها ذلك التغيير، لما له من تبعات على جيوب الناس ومدخراتهم. وتنشأ بعض ردود الفعل عن اختلاف التقييمات والتقديرات، فمن إنسان يبالغ في الأمور، إلى آخر غير مكترث، وثالث يتعامل معها بتعقل ولا يزال متحفزًا لإيجاد حلول تقلل أثر القرارات المفروضة بحكم الواقع.

الحوار

نلاحظ بشكل دوري أن تذاكر السفر وإيجار غرف الفنادق في كل الدول السياحية، مثلًا، تتأرجح أسعارها بين الانخفاض التنافسي الحاد وقت قلة الطلب «الركود»، والصعود التسابقي عند ذروة الطلب.

لصيانة الكرامة المالية، لا بد من إجادة فن إدارة الشؤون المالية وضبط المشاعر الانفعالية وترشيد القرارات. على سبيل المثال، قد يشعر الإنسان بنشوة نتيجة الوفرة المالية، فيبني قصرًا أو فيلا ضخمة أكبر من احتياجاته الفعلية. ثم يقوم بتركيب مكيف مركزي لكامل المنزل، مع تركيب إنارات كثيرة وتمديدات مياه وبرك سباحة ونوافير متعددة؛ ولكنه يغفل عن حقيقة عدم حاجته الفعلية لمعظم تلك التجهيزات، سواء في الحاضر أو المستقبل؛ وقد يكون كل ذلك ليس أكثر من بهرجة أو تنافس أو مباهاة أمام الآخرين ممن يحيطون به. ولاحقًا، يستشعر بعضهم، بعد تراكم فواتير الطاقة والمياه ونفقات الصيانة لذلك القصر أو تلك الفيلا الضخمة، ضغوطًا مالية متزايدة للسداد.

من أجل السلامة في المنزل، اتجه معظم موظفي الشركات الصناعية إلى تركيب أفران كهربائية في مطابخ منازلهم، وأنا واحد منهم. ويُعد الفرن الكهربائي من الأجهزة التي قد تستهلك قدرًا كبيرًا من الطاقة في المنزل، وعليه لا بد من وضعه تحت رادار «جدول توفير الطاقة».

تروح السكرة وتأتي الفكرة

هناك عدد غير قليل من المهندسين حول العالم طرحوا مجموعة من التصاميم والنماذج والأفكار والتوصيات بشأن مساحة المسكن المناسبة والأجهزة الكهربائية الملائمة «فرن، ثلاجة، سخان، مكيفات سبليت»، وتوصيات بتركيب عوازل حرارية بما يتناسب مع مساحة المنزل وعدد أفراد الأسرة، لتحقيق كفاءة عالية في استهلاك الطاقة، وخفض استهلاك المرافق والخدمات «Utilities»، وتقليل تكاليف أعمال الصيانة الدورية إلى الحد الأدنى، وتحقيق الأمان النفسي والاستقرار الاجتماعي. إلا أن أغلب الناس يتجاهلون تلك التوصيات لأسباب عدة، منها الرغبة في إرضاء النفس وإشباع الشهوات، ورعونة اتخاذ القرارات وتقليد الآخرين. ولعل أكثر التوصيات التي كانت ولا تزال تتردد على مسامعي هي تجنب تركيب وحدات تكييف مركزي لكامل المنزل. كما أن البعض بالغ في النصح، ونادى بتجنب تركيب برك سباحة كبيرة بالمنازل، لأنها تستهلك كميات كبيرة من المياه.

الآلة الحسابية

من المهم في أي أمر مادي محسوس أن يُخضع للحساب المنطقي والرقمي الدقيق. ومن أدوات الحساب المنطقي إخضاع الأرقام للمعادلات، وإعادة قراءة كل رقم وفاتورة قبل التغيير وبعده، ومراجعة نمط الاستهلاك تباعًا، وتمحيص أي بند يستنزف الموارد المالية للإنسان «جيبه».

حديثًا، أُعلنت مراجعة لتعرفة خدمات الكهرباء والمياه من الجهة المختصة، بعد مراحل سابقة، منها تطبيق نظام الشرائح المتعددة. وأحدث ذلك الأمر ردود أفعال بين شخص متفاجئ، وشخص متوقع، وشخص لم يستشعر الأمر بعد، وشخص متفهم، إلى آخره.

أشكر بعض المغردين الإيجابيين ممن أرفقوا حاسبة مبسطة لتقدير التكلفة بعد التعديلات الجديدة على تعرفة الكهرباء والمياه.

كيف تعالج الزيادة في الإنفاق؟

رب الأسرة كالقائد، والقائد لا يغير جواده أثناء اشتداد المحنة. هناك قلة من الناس لديهم سعة في المال والرزق وتعدد في الموارد، ولهؤلاء نقول: زادكم الله خيرًا. وحتماً، نحن وأبناء المجتمع على يقين بأنكم ممن يمدون يد العون والمساعدة، بمبادرة منكم، للمحتاجين من أقاربكم وأبناء مجتمعاتكم.

وهناك أغلبية من الناس من ذوي الدخل المحدود، ولهؤلاء نقول: يجب السعي لاكتساب مهارات متعددة والانخراط في عدة وظائف تحفظ لهم كرامتهم المالية.

وهناك من الناس فقراء ومعدمون، ولهؤلاء يُقال: لا بد من التعفف والسعي الدؤوب لصنع مستقبل أفضل. وبوجه عام، ينصح المستشارون الماليون بتخصيص صندوق احتياطي للطوارئ لدى رب كل أسرة، لمواجهة أي أمر خارج حساباته.

الثقافة الأسرية المالية

في عالم مالي متغير ومتبدل بشكل سريع، أضحى من الواجب تسليط الضوء على العوامل الاقتصادية داخل كل بيت، لكي يشارك الأبناء البالغون «فوق 18 سنة» جميعًا في تخفيف الضغوط المالية والنفسية عن والديهم، والحفاظ على الكرامة المالية لأفراد الأسرة، وترتيب أولويات الإنفاق. فيجب الحد من طلب الأطعمة والمشروبات والحلويات عبر التطبيقات المختلفة، ويجب الحد من ارتياد المطاعم أو التوقف عنه، وتقليص السفر السياحي غير الضروري، وعدم المبالغة في الولائم، وتجنب أي صورة من صور المباهاة في الاستهلاك والملبس والمشرب. بشكل عام، كل العادات والأعراف والتقاليد غير المبنية على أسس رصينة، فإنه وفقًا لمعايير عقلانية يجب إعادة النظر فيها وترشيد الإنفاق المرتبط بها.

في اليابان، أحدثت أزمة ارتفاع تكاليف الطاقة والوقود وتراجع إمدادات النفط من بعض مناطق العالم تغييرات ملموسة في المطبخ الياباني وسلوكيات الطبخ، لعل أبرزها:

1. تأثير أزمة الطاقة على طرق الطبخ «كفاءة الاستهلاك»

الاعتماد على الأجهزة الذكية: زاد الاعتماد على قدور الضغط الكهربائية «Pressure Cookers» وأفران الميكروويف لإعداد الوجبات بشكل أسرع، وتقليص أوقات الغلي الطويلة «مثل المرق والشوربات والحساء» التي تستهلك كميات كبيرة من الغاز / الكهرباء.

اختيار أحجام أصغر للمكونات المراد طهيها لتسريع عملية الطهي: بات الطهاة المنزليون في اليابان يقطعون الخضار واللحوم والأسماك إلى شرائح رفيعة جدًا لضمان نضجها في ثوانٍ معدودة أثناء القلي السريع أو التبخير، مما يقلل استهلاك الطاقة وينعكس على فاتورة الوقود.

تبنّي مبادرة «من المقلاة إلى الطيران» «Fry to Fly»، وهي مبادرة تقوم على إعادة تدوير زيت القلي المستعمل لإنتاج وقود الطائرات. وقد نطرح التفاصيل يومًا ما.

2. كيف تغيرت عادات الأكل؟

بدلًا من تغيير درجة نضج الطعام، غيّرت الأسر اليابانية نوعية المكونات ومكان تناولها:

أ - الانتقال من تناول الطعام في المطاعم إلى تناوله في المنازل «Dining In»: تشير الاستطلاعات الإحصائية الحديثة في بعض مدن اليابان إلى أن أكثر من 62% من اليابانيين قلّصوا ارتياد المطاعم، وباتوا يطبخون في منازلهم لتوفير النفقات بعد موجة غلاء طالت آلاف السلع الغذائية.

ب - تغيير نوعية اللحوم المستهلكة: بسبب ارتفاع أسعار لحوم البقر نتيجة زيادة تكاليف الشحن والوقود والرسوم الجمركية والأعلاف، اتجه المستهلكون اليابانيون لشراء لحوم بيضاء أقل سعرًا، وشرائها على هيئة شرائح صغيرة أو لحوم مفرومة، كما استُبدلت اللحوم الحمراء الباهظة الثمن، التي تستغرق وقتًا طويلًا في الطهي، بالدجاج وبعض أنواع الأسماك، ولا سيما في مواسم وفرتها، كبدائل اقتصادية.

ختامًا

في هذه الحلقة، سُلّط الضوء بصورة أكبر على إدارة استهلاك فرن المطبخ الكهربائي للطاقة في ظل تعرفة الكهرباء الجديدة. كما تناول مقال سابق إدارة تشغيل أجهزة التكييف وصيانتها الدورية لتخفيف العبء المالي لفاتورة الكهرباء. وفي المحصلة، قد يؤذن المؤذن، وقد يدخل وقت الصلاة، ولكن الذهاب لأداء الصلاة بشكل جماعي أو فردي، أو عدم إقامة الصلاة مطلقًا، مسؤولية يتحملها الفرد تجاه نفسه. والفرد هنا أنت، وهو، وهي، وأنا، ونحن، وهم، وهن.