آخر تحديث: 2 / 8 / 2026م - 12:34 ص

”زعبور“ و”شرشور“ و”فرفور“ … هل ما زالوا يعيشون بيننا؟

فوزي آل غريب *

كم مرّ في حياتنا من ”زعبور“ و”شرشور“ و”فرفور“؟ ومن منا لا يتذكر شخصيات مسلسل الرسوم المتحركة سنان التي حملت هذه الأسماء، وكانت كثيرًا ما تضع الخطط والمكائد لإيقاع سنان وأصدقائه في المشكلات؟ قد تكون تلك الشخصيات بقيت في عالم الطفولة، لكن ما ترمز إليه لم يبقَ هناك؛ فما زلنا نصادف في حياتنا أشخاصًا يشبهونها في السلوك والتصرف، وإن اختلفت أسماؤهم ووجوههم.

قد تبدو هذه الأسماء طريفة أو خفيفة على السمع، لكنها في الحقيقة ترمز إلى أنماط بشرية تتكرر في حياتنا أكثر مما نتصور، لسنا نتحدث عن أشخاص بعينهم، بل عن سلوكيات وصفات نراها في المدرسة، والجامعة، ومكان العمل، وحتى في محيط الأسرة والأصدقاء، قد تختلف الوجوه والأسماء، لكن الطباع تكاد تكون واحدة، وكأنها تتكرر في كل زمان ومكان.

يكاد لا يخلو مجتمع من شخصية تعشق إثارة الفوضى لمجرد الفوضى، فتجدها تنقل الأخبار قبل التحقق منها، وتضخم المواقف الصغيرة حتى تتحول إلى أزمات، وتستمتع بإشعال الخلافات ثم تراقب نتائجها من بعيد، وهناك شخصية أخرى لا ترى في نجاح الآخرين إلا سببًا للتقليل منهم، فتشكك في إنجازاتهم، وتبحث عن أي هفوة لتضخيمها، وتُكثر من العبارات التي تبدأ بـ ”لكن…“ أو ”ليس بالأمر الكبير…“، وكأن الاعتراف بتميز غيرها ينتقص من قيمتها.

وفي المقابل، هناك من يختبئ خلف روح الدعابة، يبدو مرحًا ولطيفًا، لكنه يستخدم المزاح وسيلة للسخرية أو الإحراج أو التقليل من الآخرين، يطلق تعليقًا جارحًا ثم يبتسم قائلًا: ”كنت أمزح فقط“، غير مدرك أن بعض الكلمات تترك أثرًا أعمق من أن يمحوه الضحك، وهناك أيضًا من يتقمص دور الضحية باستمرار، فيحمّل الآخرين مسؤولية كل ما يحدث له، ولا يعترف بخطأ أو تقصير، بل يبحث دائمًا عن مبرر يبعد عنه المسؤولية.

وقد نصادف شخصية لا تجيد سوى بث التشاؤم، مهما كانت الفكرة جيدة، سارعت إلى تعداد أسباب فشلها، ومهما كان المشروع واعدًا، سارعت إلى الحديث عن العقبات قبل الفرص، لا تقدم حلولًا، بل تتقن صناعة الإحباط، حتى يصبح الحماس في حضورها عبئًا يحتاج إلى مقاومة.

وهناك شخصية أخرى لا تستطيع أن ترى نجاحًا إلا وحاولت أن تسرق الأضواء منه، فإذا أنجز أحدهم عملًا مميزًا، سارعت إلى تحويل الحديث نحو نفسها، أو ادعت أنها صاحبة الفكرة الأصلية، أو قللت من قيمة الإنجاز حتى لا يبقى في دائرة الاهتمام إلا هي، كما نجد من يتدخل في كل شيء، يقدم النصائح دون طلب، ويصدر الأحكام على قرارات الآخرين، وكأنه يملك الإجابة الصحيحة لكل موقف.

ولا يغيب عن المشهد ذلك الشخص الذي يتغذى على الشائعات، فينقل الكلام بين الناس، ويضيف إليه من خياله ما يجعله أكثر إثارة، ثم يتنصل من المسؤولية بقوله: ”أنا فقط سمعت ذلك“، مثل هذه التصرفات قد تبدو بسيطة في بدايتها، لكنها قادرة على هدم الثقة وإفساد العلاقات التي بُنيت على سنوات من الاحترام.

وربما يكون أكثر هذه الشخصيات إنهاكًا هو الشخص المتقلب؛ اليوم صديق مقرب، وغدًا خصم لا تعرف سبب تغيّره، تتبدل مواقفه بتبدل مصالحه، ويغيّر آرائه بحسب من يجلس أمامه، فلا يكاد أحد يعرف حقيقته أو يتوقع ردود أفعاله.

المشكلة الحقيقية ليست في وجود هذه الشخصيات، فهي كانت وستبقى جزءًا من الحياة، وإنما في الكيفية التي نتعامل بها معها، فكثيرًا ما نجد أنفسنا منجرفين إلى أسلوبها دون أن نشعر؛ فنرد الإساءة بالإساءة، أو نبادل التشكيك بالتشكيك، أو ننخرط في جدالات تستنزف وقتنا وطاقتنا، وفي أحيان أخرى، نحاول تغيير أصحاب هذه الطباع بالقوة أو الإقناع المستمر، فنكتشف بعد فترة أننا خسرنا هدوءنا أكثر مما حققنا أي تغيير.

والأكثر خطورة أن بعض هذه السلوكيات قد تتسلل إلينا تدريجيًا، فقد نبدأ بترديد الشائعات على سبيل الفضول، أو نمارس التقليل من الآخرين بدافع المنافسة، أو نسخر من شخص على هيئة مزحة عابرة، وهنا تكمن أهمية مراجعة الذات باستمرار، لأن الإنسان قد يتحول إلى أحد هذه النماذج دون أن ينتبه.

ورغم ما تسببه هذه الشخصيات من إزعاج، فإنها تحمل في طياتها دروسًا ثمينة، فهي تعلمنا الصبر عندما يضيق بنا الحال، وتدربنا على التحكم في انفعالاتنا، وتكشف لنا قيمة اختيار الأشخاص الذين نستثمر فيهم وقتنا ومشاعرنا، كما تجعلنا أكثر وعيًا بأهمية وضع الحدود، فلا نسمح لأحد بأن يستنزف طاقتنا أو يفرض علينا أجواءً من التوتر الدائم.

إن التعامل الحكيم لا يعني المواجهة في كل موقف، ولا يعني الصمت في كل مرة، بل يعني معرفة الوقت المناسب لكل تصرف، أحيانًا يكون التجاهل أبلغ من الرد، وأحيانًا يكون الحوار الهادئ أكثر تأثيرًا من الجدال، وفي مواقف أخرى يكون الابتعاد هو القرار الأكثر نضجًا، حفاظًا على راحة النفس وسلامة العلاقات.

في النهاية، لن نستطيع أن نغيّر كل ”زعبور“ أو ”شرشور“ أو ”فرفور“ نصادفه في طريقنا، فلكل إنسان طباعه واختياراته، لكننا نستطيع أن نغيّر طريقة استجابتنا لهم، وأن نقرر مقدار المساحة التي نمنحهم إياها في حياتنا، فالقوة الحقيقية لا تكمن في الهروب من هذه الشخصيات، ولا في الانتصار عليها، بل في أن نحافظ على اتزاننا ووعينا، وألا نسمح لسلوكها بأن يسرق هدوءنا، أو يغير مبادئنا، أو يشوه الطريق الذي اخترناه لأنفسنا.