آخر تحديث: 2 / 8 / 2026م - 12:34 ص

استنزلوا الرزق بالصدقة

الدكتور ماهر آل سيف *

«استنزلوا الرزق بالصدقة»؛ كلمةٌ قليلةُ الحروف، عظيمةُ الظروف، تفتح للقلوب بابَ الرجاء، وتعلّم النفوس أن الرزق لا يُطلب بالسعي وحده، بل يُستجلب بالبر، ويُستدرّ بالخير، ويُستنزَل من السماء بجبر خاطر الفقير.

فالصدقة ليست نقصًا في المال، بل نماءٌ في الحال، وليست خروجًا من الرصيد، بل دخولٌ في ضمان الحميد المجيد. تعطي منها درهمًا فيبارك الله لك في ألف، وتفتح بها بابًا لمحتاج فيفتح الله لك أبوابًا لا تُغلق، وتُدخل بها سرورًا على قلب منكسر، فيصرف الله عنك حزنًا لم تره، وبلاءً لم تشعر به، وخسارةً لم تعلم أنها كانت في طريقها إليك.

وليس الرزق مالًا يُعدّ، أو ذهبًا يُجمع، أو عقارًا يُملك؛ بل قد يكون الرزق صحةً في البدن، وسكينةً في النفس، ومحبةً في الأهل، وبركةً في الولد، وتوفيقًا في العمل، وسترًا عند الزلل، وراحةً بعد التعب، وفرجًا بعد الكرب. وربّ صدقةٍ دفعتها خفيةً، فعادت إليك عافيةً، أو نجاةً، أو هدايةً، أو دعوةً صادقةً من قلبٍ لم يجد ما يكافئك به إلا أن يرفع يديه إلى السماء.

الصدقة تجارةٌ مع الله لا تبور، ووديعةٌ عند الكريم لا تضيع، وبذرةٌ تُدفن في أرض المحتاج فتُثمر في حياة المتصدّق أمنًا وبركةً واتساعًا. وما أجمل العطاء حين لا تنتظر عليه ثناءً، ولا تطلب به جزاءً، ولا تُتبعه منًّا ولا أذى؛ تعطي لأن الله أعطاك، وترحم لأن الله رحمك، وتجبر لأنك تعلم أن الأيام دوّارة، وأن القلوب المنكسرة أقرب إلى دعوةٍ مستجابة.

لا تقل: مالي قليل، فالصدقة لا تُقاس بكثرة العطاء، بل بصدق النية ونقاء الرجاء. قد تكون الصدقة لقمةً لجائع، أو ماءً لعطشان، أو دواءً لمريض، أو تفريجًا لمديون، أو كلمةً ترفع مهمومًا، أو ابتسامةً تطمئن مكسورًا. فكم من قليلٍ عظّمته النية، وكم من كثيرٍ أفسده الرياء والمنّة.

وحين تضيق الأرزاق، وتتعسّر الأسباب، وتُغلق الأبواب، فلا تجعل يدك أول ما ينقبض، بل اجعلها أول ما تمتد؛ فإن خزائن الله لا تنفد، وعطاءه لا يُحدّ، ووعده لا يُردّ. أعطِ وأنت موقن أن ما عندك من الله، وأن ما تقدمه لله سيعود إليك من الله؛ أوسعَ رزقًا، وأعظمَ أجرًا، وأطيبَ أثرًا.

فاستنزلوا الرزق بالصدقة، واستدفعوا البلاء بالرحمة، واستفتحوا أبواب الفرج بجبر الخواطر؛ فمن أعان عبدًا في ضيقته، أعانه الله في شدته، ومن مسح دمعةَ محتاج، مسح الله عنه دموع الأحزان، ومن جعل للفقير نصيبًا من ماله، جعل الله له نصيبًا من فضله ورحمته وإحسانه.

الصدقة لا تُفقر يدًا، بل تُغني روحًا، ولا تُنقص مالًا، بل تزيده بركةً وقبولًا؛ فأعطِ قبل أن تُسأل، وارحم قبل أن تُبتلى، وازرع الخير قبل أن تحتاج إلى حصاده؛ فإن ما يخرج من يدك صدقةً، يعود إلى حياتك رزقًا، وإلى قلبك نورًا، وإلى آخرتك كنزًا لا يفنى ولا يزول.