آخر تحديث: 2 / 8 / 2026م - 12:34 ص

نفائس الإمام الرضا وبحور علومه

جمال حسن المطوع

لم تقتصر علوم الإمام الرضا على أحكام الشريعة الإسلامية الغراء فقط، وإنما شملت جميع أنواع العلوم، الدينية والدنيوية، كما أبدع أشد الإبداع في رسالته الخالدة في علم الطب، التي أصبحت مرجعًا للانطلاق إلى كل من يتبنى ويهوى الثقافة الطبية والصحية دراسةً وعلمًا، فيستنير بها ويتخذها ركائزَ أساسيةً في منطلقه العلمي والمعرفي.

فقد كان الإمام الرضا منارة شامخة في هذا التخصص الطبي، وعَلَمًا من أعلامه، ومتمرسًا بجميع فروعه، وقد وضع البرامج العامة لإصلاح بدن الإنسان ووقايته من الإصابة بالأمراض، وهو القاعدة الأساسية للطب الوقائي في هذه العصور، والذي يعد من أعظم الوسائل في تقدم الصحة وازدهارها.

وعلى أي حال، فلا بد لنا من لمحة ووقفة قصيرة للحديث عما يتعلق بهذه الرسالة العظيمة قبل عرضها، والسبب في تأليفها:

امتاز بلاط المأمون بأنه كان، في معظم الأوقات، يعقد الندوات العلمية والأدبية، خصوصًا في عهد الإمام الرضا ، وقد تحول البلاط العباسي إلى مسرح للبحوث العلمية والسجالات الفلسفية، ومن بين البحوث العلمية التي عرضت في تلك الندوات كان من بينها ما يحتويه بدن الإنسان من الأجهزة والخلايا العجيبة، وبديع تركيب أعضائه التي تجلت فيها حكمة وعظمة الخالق وروعة قدرته.

تطرق القوم وأسهبوا في تحليل ما يصلح بدن الإنسان ويفسده، وقد ضمت الجلسة أكابر العلماء والقادة، وكان في طليعتهم:

أولًا: الإمام الرضا .

ثانيًا: المأمون.

ثالثًا: يوحنا بن ماسويه.

رابعًا: جبرائيل بن بختيشوع.

خامسًا: صالح بن بهلة الهندي.

وقد خاض هؤلاء القوم في البحوث الطبية، والإمام ينصت إلى حديثهم ولم يتكلم بشيء، فانبرى إليه المأمون قائلًا له بإكبار: ما تقول يا أبا الحسن في هذا الأمر الذي نحن فيه اليوم ونناقشه، من معرفة هذه الأشياء، والأغذية النافع منها والضار، وتدبير الجسد؟ وقد استجاب الإمام إلى طلب المأمون، فزوده برسالة ذهبية، وهي - والآتي نصٌّ من هذه الرسالة -:

فبعد البسملة والحمد والثناء قال : «… إن الأجسام الإنسانية جعلت في مثال الملك: فملك الجسد هو القلب، والعُمّالُ العروقُ والأوصال والدماغ….

وبيت الملك قلبه، وأرضه الجسد، والأعوان يداه ورجلاه وعيناه وشفتاه ولسانه، وأذناه، وخزانتُه معدتُه وبطنُه، وحجابه صدره، فاليدان عونان، يقربان ويبعدان، ويعملان على ما يوحي إليهما الملك، والرجلان تنقلان الملك حيث يشاء، والعينان تدلان على ما يغيب عنه؛ لأن الملك وراء حجاب لا يوصل إليه إلا بهما، وهما سراجاه أيضًا، وحصن الجسد وحرزه، والأذنان لا تدخلان على الملك إلا ما يوافقه؛ لأنهما لا يقدران أن يدخلا شيئًا حتى يوحي الملك إليهما، فإذا أوحى إليهما أطرق الملك منصتًا لهما حتى يسمع منهما، ثم يجيب بما يريد، فيترجم عنه اللسان بأدوات كثيرة، منها ريح الفؤاد، وبخار المعدة، ومعونة الشفتين، وليس للشفتين قوة إلا باللسان، وليس يستغني بعضها عن بعض…»

هنا خط المأمون بيده مدحًا وإطراءً وثناءً برسالة جاء فيها بعد البسملة: أما بعد، فإني نظرت في رسالة ابن عمي، العلوي الأديب، والفاضل الحبيب، والمنطقي الطبيب، في إصلاح الأجسام، وتدبير الحمام، وتعديل الطعام، فرأيتها في أحسن التمام، ووجدتها في أفضل الأنعام، ودرستها متدبرًا، ورددت نظري فيها متفكرًا، فكلما أعدت قراءتها والنظر فيها ظهرت لي حكمتها، ولاحت لي فائدتها، وتمكنت من قلبي منفعتها، فوعيتها حفظًا، وتدبرتها فهمًا.

إذ رأيتها من أنفس العلائق، وأعظم الذخائر، وأنفع الفوائد، فأمرت أن تكتب بماء الذهب لنفاستها، وحسن موقعها، وعظم نفعها، وكثرة بركتها، وسميتها «المذهبة»، وخزنتها في خزانة الحكمة؛ لأنها خرجت من بيوت الذين يوردون حكم الرسول المصطفى، وبلاغات الأنبياء، ودلائل الأوصياء، وآداب العلماء، وشفاءً للصدور والمرضى من أهل الجهل والعمى.

فمن وقعت إليه هذه الرسالة من بعدنا من أبنائنا، وأبناء دولتنا، ورعايانا، وسائر الناس على طبقاتهم، فليعرف قدرها، وليستعمل حفظها، وعرضها على همته، فإنها عائدة عليه بالنفع والسلامة من جميع الأمراض والأعراض، إن شاء الله تعالى.

وصلى الله على رسوله محمد وآله الطيبين الطاهرين أجمعين، حسبنا الله ونعم الوكيل، والحمد لله رب العالمين.

فسلام الله عليك يا سيدي ومولاي يوم ولدت، ويوم استشهدت، ويوم تبعث حيًا.

وأعظم الله أجورنا وأجوركم في ذكرى استشهاد الإمام علي بن موسى الرضا .