آخر تحديث: 28 / 7 / 2026م - 1:09 ص

وصايا الجدات أم فتاوى الخطباء؟

عبد الله صالح الخزعل

كنت استمع إلى أحد الخطباء الشباب الذي يميل إلى الغوص في تفاصيل الفتاوى الشرعية، حتى وصل به إلى يقول إن الزوج ملزم بتوفير الطعام جاهزًا مطبوخًا، وإن قامت الزوجة بطبخه فلها أن تطلب أجرة على عملها. هذه القراءة الحرفية للنصوص تثير سؤالًا جوهريًا: هل مثل هذه التفاصيل الدقيقة تُسهم في استقرار الأسرة، أم أنها تُحوّل الحياة الزوجية إلى ساحة نزاع حول الحقوق والواجبات؟.

من منظور تحليلي، يمكن القول إن الفقه وُضع لضبط العلاقات وحماية الحقوق، لكنه لم يُرِد أن تتحول الحياة الزوجية إلى معادلة حسابية جامدة. فلو أخذنا الأحكام بحذافيرها دون النظر إلى مقاصدها الكبرى، لانفرط عقد الأسرة، ولأصبح البيت ساحة جدل قانوني لا سكنًا رحيمًا. إن المودة والرحمة هي الغاية التي نصّ عليها القرآن، وهي الركيزة التي تُبنى عليها الأسرة، لا تفاصيل النفقة ولا أجرة الطبخ.

إن لنا نماذج مشرقة في هذا الإطار؛ فسيدتنا فاطمة الزهراء خدمت بيتها حتى تأذت يدها من الرحى، ومع ذلك ظل بيتها مثالًا للسكينة والرضا. لم يكن ذلك لأن النص الفقهي ألزمها، بل لأن روح التعاون والرضا كانت هي الأساس. وهنا يظهر الفرق بين النصوص كإطار تنظيمي، وبين التجربة الإنسانية التي تُترجمها إلى حياة مستقرة.

الأمر ذاته ينطبق على قضية تعدد الزوجات. الفقه يجيزه بشروط صارمة، لكن لو أُخذ الحكم مجردًا من شروطه وظروفه، لانقلب إلى فوضى اجتماعية. وهذا يوضح أن النصوص تحتاج إلى قراءة مقاصدية، لا حرفية، لأن الغاية الكبرى هي حفظ الأسرة واستقرارها.

لقد علّمتنا أمهاتنا وجدّاتنا بفطرتهم السليمة أن خدمة الزوج والأبناء ليست عبئًا، بل مقامًا رفيعا كالجهاد في سبيل الله، وأن الصبر في البيت هو صورة من صور العبادة.

وكذلك ورثنا من آبائنا وأمهاتنا أعرافًا حميدة جعلت الأسرة تستقر بلا تعقيد: احترام الزوج، تقدير الزوجة، تغليب العرف الطيب على الجدل الفقهي. وهنا ندرك أن وصايا الجدات أحيانا تكون أكثر حكمة من الغرق في تفاصيل الفتاوى، لأنهن ينظرن إلى الحياة بعين التجربة لا بعين النص وحده. فالتجربة الشعبية كثيرًا ما تُقدّم حلولًا أكثر واقعية من التفصيلات النظرية.

التعقيبات المنشورة لا تعبر بالضرورة عن رأي الموقع
التعليقات 2
1
ياسر عبدالوهاب بوصالح
[ الأحساء - السعودية ]: 26 / 7 / 2026م - 10:55 ص
كعادةِ الأستاذ عبدالله في انتقاء موضوعاتٍ ذات بُعدٍ تربوي واجتماعي، جاءت مقالته الأخيرة تحمل سؤالًا ذكيًا يحرّك ما ركد في الخطاب الأسري: أيُّهما أولى في تشكيل الوعي؟ وصايا الجدّات التي صاغتها الفطرة والتجربة، أم فتاوى «السوشيال ميديا» التي تُنشر بلا تمحيص ولا نظرٍ في مآلاتها؟

لقد أشار بمهارة إلى المفارقة بين خطابٍ فقهيٍّ يُقدَّم اليوم بلهجةٍ حسابيةٍ جامدة، وبين الحكمة الشعبية التي بنت بيوتًا مستقرة قبل أن تُدوَّن الكتب، فوصايا الجدّات لم تكن فقهًا اصطلاحيًا، لكنها كانت فقهًا بالفطرة: فقهًا يعرف أن البيت لا يقوم على بند النفقة ولا أجرة الطبخ، بل على روح التعاون والرضا.

أما «فقهاء السوشيال ميديا»، فيلتقطون كل مسألة فرعية ويقدّمونها للجمهور كأنها قاعدة تُبنى عليها الحياة الزوجية، غير ملتفتين إلى أثرها على الأسرة البسيطة. وهنا تتجلّى قيمة السؤال: هل نُقدّم الفطرة التي صاغتها التجربة، أم التفصيلات التي قد تُربك أكثر مما تُنظّم؟
2
عماد آل عبيدان
26 / 7 / 2026م - 4:00 م
مقالة موفقة. الحقوق تحفظ الأسرة لكن الإحسان هو الذي يمنحها الاستقرار والمشكلة في اختزال الحياة الزوجية في مسائل خلافية تُطرح بمعزل عن أثرها على الناس وليس في الفقه.