آخر تحديث: 14 / 6 / 2026م - 1:11 م

ماذا كان كينز سيقول عن الترليونير إلون ماسك؟

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة مال

لو كان الاقتصادي جوزيف شومبيتر، الذي انتقده جون ماينارد كينز انتقادًا مرًّا، حيًّا لَمَجَّدَ إيلون ماسك كنموذج مثالي للريادي الذي يدفع عجلة التقدم الاقتصادي من خلال التدمير الخلاق، وكان سيراه شاهدًا حيًّا على صحة نظريته. وفي الوقت نفسه، كان سيحذر من أن ماسك - بنجاحاته الكبيرة - هو (العاصفة الدائمة) (perennial gale) التي تحدث عنها شومبيتر في نظريته.

ما المبرر لاستحضار فكر اقتصادي تنظيري؟! منذ الإعلان عن قرع جرس إدراج (سبيس إكس)، قفز إلى ذهني سؤال: هل إيلون ماسك هو قارون هذا الزمان؟ عبر التاريخ، كانت معظم الثروات الكبرى تعتمد على استخراج الريع من موارد قائمة نتيجة احتكارات من نوع أو آخر، لا على خلق قيمة جديدة. قارون — المذكور في سورة القصص في القرآن الكريم — يُعد النموذج القرآني الأوضح للثروة غير الريادية، إذ أُعطي كنوزًا هائلة حتى إن مفاتيحها تثقل على العصبة من الرجال الأشداء. وذكر ابن كثير أن مفاتيح خزائنه كانت من الجلود، وأن حملها يحتاج إلى ستين بغلاً أو أكثر، لكن ثروته لم تكن ناتجة عن ريادة أو ابتكار أو استثمار جريء، بل هبة إلهية تحولت إلى رأس مال جامد. نسبها إلى (علمه الشخصي) ﴿إِنَّمَا أُوتِيتُهُ عَلَى عِلْمٍ عِندِي [القصص: 78]، واستخدمها في التباهي والاستعلاء دون أي إحسان أو استثمار منتج. فكانت ثروته ريعية ساكنة، أدت إلى فساد اقتصادي - اجتماعي وانتهت بخسف الأرض به وبداره.

في المقابل، يجسد إيلون ماسك الريادة كمورد حاسم لتوليد القيمة الاقتصادية، وفق المفهوم المركزي في نظرية الاقتصادي شومبيتر، الذي كان يرى أن الرأسمالية ليست نظامًا ثابتًا يسعى إلى التوازن كما يتصوره الاقتصاديون التقليديون مثل جون ماينارد كينز، بل عملية تطور دائمة مدفوعة بالتدمير الخلاق (Creative Destruction)، حيث يقوم الرياديون بدور المحفز الرئيسي للتغيير من خلال ابتكارات (من خارج الصندوق) تدمر الهياكل القديمة وتخلق هياكل جديدة أكثر كفاءة وقيمة. وضمن هذا الإطار، فلم يرث ماسك ثروة ولم يعتمد على موارد طبيعية أو احتكار، بل بنى إمبراطوريته من خلال الريادة الإبداعية، عبر إعادة تخصيص رأس المال الجريء مرات عديدة. بعد بيع Zip2 وPayPal, أعاد استثمار نحو 180 مليون دولار في مشاريع عالية المخاطر: SpaceX (2002)، وTesla (2004)، وStarlink, وNeuralink, وxAI. ثروته التي تجاوزت تريليون دولار ليست نقدًا مخزنًا، بل قيمة سوقية (equity value) لأصول إنتاجية تخلق تقنيات جديدة وتُحدث (تدميرًا خلاقًا)، ويستمر ماسك في توجيه معظم ثروته نحو إعادة الاستثمار الريادي لحل تحديات وجودية كبرى: الطاقة المستدامة، واستعمار الفضاء، والذكاء الاصطناعي، وهو ما يحول الريادة إلى أداة مستدامة لتوليد قيمة طويلة الأجل.

وهكذا، فالإجابة عن سؤالي: هل إيلون ماسك قارون هذا العصر؟ إن إيلون ماسك ليس قارونًا، بل (العاصفة الدائمة) التي تحدث عنها شومبيتر، والتي قد تؤدي في نهاية المطاف إلى زعزعة أسس الرأسمالية كما نعرفها. فلك أن تتخيل لو كان في العالم ألف إيلون ماسك، عندها ماذا سيحدث؟ من سيسيطر على استقرار الاقتصاد العالمي إن كان الأساس لهؤلاء الألف هو السعي المتواصل للتدمير الخلاق؟!

قارون كان دائمًا نموذجَ الثروة الهائلة التي لم تولد أثرًا مستدامًا. أما الريادة — كما يجسدها ماسك — فهي المورد الحقيقي والأكثر فعالية لتوليد القيمة في الاقتصاد الحديث. طبقًا لرؤية شومبيتر، فإن التدمير الخلاق الناتج عن الحراك الريادي المعاصر، وبخاصة في مجال الذكاء الاصطناعي، سيؤدي إلى إعادة هيكلة اقتصادية عميقة: ارتفاع كبير في الإنتاجية وظهور صناعات جديدة، مصحوبًا بتداعيات اجتماعية واقتصادية مؤلمة مثل البطالة التقنية، وزيادة اللامساواة، وتحولات في سوق العمل تتطلب تكيفًا مجتمعيًا سريعًا قد لا تتمكن المجتمعات من مواكبته. وفي النهاية، قد يؤدي هذا الحراك إلى تغيير طبيعة الرأسمالية نفسها، مقوضًا أسسها الاجتماعية ليحل محلها التحول الريادي الكبير، عندما يصبح عدد أمثال إيلون ماسك ألفًا من البشر.

كاتب ومستشار اقتصادي، رئيس مركز جواثا الاستشاري لتطوير الأعمال، عضو سابق في مجلس الشورى