مقعد رقم 45 J بالطائرة
حديثك مع جارك في مقعد الطائرة قد يرسم الدهشة على وجهك، أو يشعل جذوة التفكير والتأمل، أو يثير روح الفكاهة والمزاح، أو يجلب العبوس على محياك، أو يثريك معرفيًا وتجارياً. في السفرات الجوية أو بالقطار أو بالحافلة من مدينة إلى مدينة أخرى عبر بعض مدن القارة الأوروبية أو الأمريكية الشمالية أو الآسيوية، أصادف وصادفت ألوانًا وأشكالًا وعقولًا وأمزجةً وأنفسًا متنوعة من الناس؛ إلا أن البعض منهم كان يأخذ حيزًا من تفكيري أثناء وبعد الحديث معهم، ولفترات متفاوتة.
جلست في مقعدي رقم 43J بطائرة إيرباص حديثة الطراز، وبعد أن استلمت كوب العصير من المضيفة الجوية وشكرتها على ذلك، قلت بشكل تلقائي قبل شربه: «بسم الله الرحمن الرحيم». فالتفت الشخص المجاور لمقعدي فقال: هل أنت مسلم؟ فقلت له: نعم، وأفتخر بذلك.
فقال جاري في مقعد الطائرة: كنت إنسانًا مسلمًا، أما الآن فملحد!!
استوعبتُ الصدمة بسرعة؛ لأن في بعض دول أوروبا يتجرأ البعض على إطلاق مثل هذه الجمل المثيرة. فقلت له: هذا أمر شخصي، ويمكنك سرد قصتك باختصار إن أحببت مشاركتي بها، فلدينا وقت متسع في هذه الرحلة الجوية، وأنا أحب استكشاف مدن وعقول وخواطر من حول العالم.
فقال: كنت مسلمًا من أبوين مسلمين، ولكن سردية انتشار الإسلام التي تحدث بها خطباء الجوامع ومناهج المدارس في وطني الأم، والأحكام الجزافية في الحروب ومعاملة الأسرى، لا سيما النساء ممن هم غير مسلمين، جعلتني أتدارس حقيقة إنسانية الإسلام كأحكام وتعامل وفقه مع الآخر، كما أن المعجزات المروية عن الأنبياء السابقين جعلتني أعيد كامل قناعاتي وأستبدلها بتفكيري وحسب تصوراتي. فأنا أعيش الآن في أوروبا وأتمتع بحقوق إنسانية تتجاوز ما يتغنى به أتباع دينك!!
ابتسمت بوجهه بعد قوله: «أتباع دينك!»، وقلت له: ليس لدي وكالة عن الدين الإسلامي للتحدث نيابة عنه، وكما تعلم هناك عدد كبير من المذاهب بداخله، وأنا لا أعلم لأي مدرسة فكرية كنت تتلقى فهمك عن دينك يوم كنت تابعًا للدين! ولكن حسب فهمي المتواضع لسرديتك، فإنه كانت لديك مشكلة مع سرديات وقصص معينة تلقاها سمعك أثناء وجودك بالمدارس الابتدائية والمتوسطة وتحت بعض المنابر بداخل بعض المساجد والمجالس الاجتماعية. إلا أنك بعد أن كبرت واعتددت بفكرك، ودرستَ في الخارج، واحتككت بثقافات متنوعة وحضارات متعددة، ووصلت إلى قناعة بأنك مفكر، ارتأيت أن ترتدي لباس الإلحاد بدل الانتماء إلى دين سماوي؛ لتتجرد من أي التزام بسردية معينة أو قناعات محددة، سواء عن الكون أو الأنبياء أو اجتهادات العلماء من أهل الإسلام. لطفًا صحح لي فهمي هذا إن كان ذلك غير دقيق.
سكت لبرهة، فقال: … نعم. والواقع أن بعض القصص المروية عن بعض الأنبياء وأهل الكهف في كتاب القرآن لم تدخل عقلي!
فقلت: مهلًا، أحترم عقلك وتفكيرك، إلا أن كتاب الله لم يُعرض على العقول كاحتمال وموافقة أو رفض، بل جاء ليُحكم به على العقول. قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلَا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْرًا أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ﴾ [الأحزاب: 36].
طبيعي أنك كملحد لا تود أن تسمع نصًا قرآنيًا، ولكن حقيقة الإسلام هي التسليم، وحقيقة الإيمان هي الاعتقاد بشكل مطلق بما ورد في القرآن الحكيم. نعم، نحن البشر طاقاتنا الاستيعابية تتزايد عبر الزمن والتجارب وتراكم الخبرات، ولذا فإن فهم آيات القرآن الإعجازية في بعض وجوهه قد يحتاج إلى نقلات تقنية وتكنولوجية لاستيعابه. فالجوال، وهو في حجم كف اليد، يمكنه نقل الصوت والصورة حول العالم في رمشة عين، وقد أضحى واقعًا ملموسًا. ولو تحدثنا بذلك مع أقوام قبل مائة أو خمسين عامًا لكذبوا قولنا وسخروا منا، وقد يرمونا بالجنون! والآن هو واقع نعيشه!
ثانيًا: أين روح البحث العلمي الموضوعي لديك؟ لماذا تستمع فقط وفقط لخطيب مسجد مدينتك التي هجرتها وأعلنت الخصومة معها؟ فتش وابحث، فقد ترى وتسمع ما يروي عطشك الروحي والفكري في مكان آخر من العالم الإسلامي.
ثالثًا: أنت الآن في دولة تدين بدين سماوي، ولكن يحكمها حزب ليبرالي أو ديمقراطي أو اشتراكي اجتماعي، فهل أنت مقتنع بكل سردياتهم وأساليب إدارتهم؟ وإن كان الجواب: لا، غير مقتنع بسردياتهم هم أيضًا، فهل ستنقل نفسك إلى مكان آخر!
هبطت الطائرة وأوقفنا الحوار، وتصافحنا، وانصرف كل منا لشأنه.
تلك القصة أعلاه جعلتني أتأمل أهمية الثقافة السمعية في تكوين قناعات الناس أو جحودهم، وعليه تكمن أهمية السرد والكلام على مسامع الجمهور، لا سيما فيما يتعلق بشؤون الدين؛ لأن له تبعات عظمى في تكوين قناعات الناس عبر الأجيال. بعض المنابر وبعض توجهات الخطباء الدينيين يتحملون وزر التكوين الفكري السلبي والمناكفة وإلحاد بعض الشباب الذي عاش ويعيش الصدمة الحضارية لسوء تقديم وعرض الأديان السماوية، لا سيما الإسلام، كفكر وتعامل وعلومه وفقهه ومعاملاته وعباداته وسرده التاريخي وأخلاقه وآدابه. فعلى سبيل المثال، فإن فكرة إقصاء الآخرين من رحمة الله، بتعبير فقهي من قبيل: هؤلاء أهل الجنة وأولئك أهل النار، موكولة إلى الله، ولا يجب أن نبتلي أنفسنا بها في الحياة الدنيا، بل نحفز أهلينا وأحبابنا ومن يعز علينا بالأعمال الصالحة والعبادات النافعة التي تقربهم إلى الله بشكل أفضل.
وإن فكرة المسلمين فقط، وليس كلهم حسب آراء البعض، وإنما جزء من المسلمين ممن يحملون أفكارًا تطابق أفكار الفصيل الذي ينتمي إليه، هم من سيدخلون الجنة فقط، وغيرها بالنار، فكرة غير مقبولة عقلًا. فالله سبحانه وتعالى خلق الجميع، وأنزل مرسومًا إلهيًا لا شك فيه، ونصه:
﴿إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا وَالَّذِينَ هَادُوا وَالصَّابِئِينَ وَالنَّصَارَى وَالْمَجُوسَ وَالَّذِينَ أَشْرَكُوا إِنَّ اللَّهَ يَفْصِلُ بَيْنَهُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ﴾ [الحج: 17].
لا يحق لمخلوق في واقعنا الحالي أن ينعت هذا من أهل الجنة وذاك من أهل النار. إن قوله تعالى: «إن الله يفصل بينهم» أمر يستحق التدبر! نعم، نحن مؤمنون بأن هناك جنة ونارًا، وأن هناك مؤمنين وكفارًا، وأن هناك أعمالًا صالحة وأعمالًا شريرة.
ونحن على مشارف موسم المحرم الحرام، حيث تتدفق جموع مليونية حول العالم لإحياء ذكرى استشهاد الإمام الحسين
، سبط النبي محمد ﷺ، والنهل من معالم الشرف والجود والتضحية والإيمان والولاء والوفاء؛ نتمنى على بعض الخطباء في كل بقاع الدنيا احترام تلك الحشود البشرية التي تجلس تحت المنابر، عبر بذل جهود معتبرة للتحضير لمواضيع فكرية وأدبية وأخلاقية نافعة للارتقاء بالسلوك والتعامل والتربية والاحتواء التربوي، وزيادة تخصيب قوة الإقناع الفكري، وتنظيم الأمور، والسعي لوحدة الكلمة، وتحصين الناس، لا سيما الشباب، من الشبهات العقائدية، ودفع عجلة اليقين والإيمان إلى مستويات أعلى، وحسن استثمار وجود الجماهير المؤمنة بإذكاء روح النصيحة وزيادة جرعات الوعي.














