التشييع موعظة من الله وليست مناسبة اجتماعية
قبل أن نستفيض في الحديث عن «بعض» سلوكياتنا في التشييع والمقابر ومجالس العزاء، من الضروري أولاً أن نبسط مغالطةً ذهنيةً راسخةً في وعي الكثيرين، وهي أن الموت مرادف للرعب والوحشة.
في جوهر الأمر، الإنسان لا يخاف الموت لذاته، وإنما يخاف «الجهل بحقيقته»؛ فالمرء عدوٌّ ما يجهل. ولو تبصر الإنسان في معنى هذه الرحلة، وعلم أنه وافدٌ على ربٍّ كريم، رحيم، ودود، وغفور، وأنه سيكون في جوار محمد وآله الأطهار «صلوات الله عليهم»، لتبدّل خوفه شوقاً، ولَخفق قلبه بكلمات زيارة أمين الله: «مُشْتَاقَةً إِلَى فَرْحَةِ لِقَائِكَ».
وهنا يشرق نور القرآن الكريم في قلب المؤمن ليكشف أعظم بشارة إلهية في لحظة الابتلاء والرحيل، إذ يقول الله تعالى:
﴿وَبَشِّرِ الصَّابِرِينَ * الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُمْ مُصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ﴾ [البقرة: 155-157].
فالله عز وجل لا يترك عبده في لحظة الفقد والانتقال، بل يفتح له باب البشارة حتى في لحظة الألم، وكأن الرحيل إليه ليس نهاية موجعة، بل بداية مُبشَّرة بلقاءٍ كريم. وإن أعظم مصاديق هذه البشارة أن العبد المؤمن إذا صدق في رجوعه إلى الله، وجد في لحظة الموت ما لا يخطر على قلب بشر من الرحمة واللطف والكرامة.
وفي هذا السياق، يتجلى معنى عظيم: أن الله سبحانه يُبشّر عبده في موطن الرحيل إليه، وكأن الموت نفسه يتحول في عين المؤمن إلى رسالة أمان لا فزع، وإلى باب رحمة لا خوف.
إن التدبر في البيان القرآني يكشف عمق هذه الحقيقة؛ فالقرآن لم يقل «كل نفس تموت»، بل قال سبحانه: «كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ» [آل عمران: 185]، والتذوق صفة لا تكون إلا للحي، فالميت لا يذوق شيئاً. هذه الآية تلفت بصائرنا إلى أن الموت ليس فناءً أو عدماً، بل هو بوابة عبور، وانتقال من ضيق رحلة أرضية مؤقتة، إلى سعة عالم أبدي أعظم بركةً ووجوداً.
تأمل في حال الجنين: لو كان الجنين في بطن أمه يعقل، لربما شعر بالخوف من الخروج إلى الدنيا، وظنّ أن مفارقة الرحم نهايةٌ لوجوده. لكننا نعلم أن خروجه لم يكن موتاً، بل ولادةً في عالم أوسع وأجمل.
هكذا نحن في هذه الدنيا؛ نظن الموت نهاية المطاف، بينما هو في الحقيقة بوابةً لولادتنا الحقيقية في عالمٍ لا تسعه الكلمات، ولا تدرك أبعاده العقول.
إن المؤمن لا يرى في الموت انطفاءً بل لقاءً، ولا يخرج برحيله عن مُلك الله، بل ينتقل من دار الامتحان والكدّ إلى دار الجزاء والفضل واللطف، وافداً على من سبقت رحمته غضبه. نعم، يظل المؤمن مشفقاً من التقصير والذنوب، لكن رجاءه في الله وحسن ظنه به يغلبان الخوف، فهنيئاً لمن رحل متمسكاً بإيمانه، نابضاً قلبه بحب محمد وآل محمد.
من هذه الرؤية الروحية، تكتسب الجنائز قيمتها كأعظم المواعظ الصامتة التي يرسلها الله للأحياء. فالإنسان حين يمشي خلف جنازة مؤمن، فهو لا يشيّع مجرد جسد فارق الحياة، «بل يشيّع مستقبله الشخصي الذي يسير إليه حتماً».
لذا، أراد الإسلام لهذه اللحظات «التشييع، الدفن، العزاء» أن تكون محطات تفكّر وخشوع، لا مواسم للاستغراق في الدنيا.
مما يبعث على الأسى والوجع أن نرى بعض المؤمنين في المقابر أو مجالس العزاء ينشغلون بأحاديث التجارة، والأسعار، والأعمال، بل وربما ارتفعت أصواتهم بالضحك والمزاح والجدال.
إن هذه السلوكيات لا تخدش هيبة الموت فحسب، بل تزيد جراح أهل المصاب الذين يعتصرهم ألم الفقد، فيشعرون أن مصيبتهم لم تُحترم، وأن جلال الموقف قد انتُهك.
لقد رسمت الشريعة المقدسة آداباً دقيقة تعكس عظمة هذا الدين ورقته؛ فكرهت الضحك، واللهو، والانشغال بالدنيا، بل وكرهت حتى تقديم التحية «السلام» أثناء التشييع. وأوصت بأن يكون المشيع مستغرقاً في ذكر الله، والاستغفار، والتفكر، والصمت الواعي.
بل إن الروايات تؤكد أن للميت إدراكاً وشعوراً بمن يشيّعه ويدعو له، لذا أمرت الشريعة بعدم مفاجأته بالقبر، بل يُرفق به ويُمهل، ويوضع قريباً من لحده لدقائق قبل إدخاله.
موضع تفكر: إذا كانت الشريعة تبدي هذه الرعاية الفائقة لمشاعر الميت وهو جماد في نظر البعض، فكيف يغفل بعض الأحياء عن مراعاة مشاعر أهل المصاب الحاضرين أمامهم؟!
ومن آداب التشييع أيضاً المشي بسكينة ووقار دون إسراع ينافي الرفق بالميت؛ فالغاية ليست طي المسافة إلى القبر سريعاً، بل استحضار العبرة، والوعي بأن هذا الطريق الذي نسلكه اليوم خلف غيرنا، سيمشيه الناس خلفنا غداً.
حين يقف الإنسان أمام القبر مستحضراً هذه الحقائق، يحدث تحول جذري في وعيه، وتبدأ أحجام الأشياء والهموم بالتغير في عينيه.
تلاشي الخصومات: كم من قطيعة رحم أو هجر صديق دامت لسنوات بسبب كلمة عابرة أو خلاف دنيوي تافه! أمام القبر، يدرك المرء أن الجميع «الغني والفقير، القوي والضعيف، المتخاصمين والمتحابين» سينتهون إلى الحفرة ذاتها، فتصغر الدنيا في عينه.
عظمة الخالق وصغر المخلوق: تتجلى هنا حقيقة وصف المتقين في خطبة أمير المؤمنين
: «عَظُمَ الخالقُ في أنفسهم فَصَغُرَ ما دونه في أعينهم». فإذا امتلأ القلب بالبصيرة الناظرة لعظمة الله، تلاشت هموم الدنيا، وصغرت الإساءات والآلام المالية والاجتماعية. «وليس المعنى ترك الحقوق، بل عدم السماح للدوافع الدنيوية بأن تولد الضغائن وقطع الأرحام».
إن أكبر خطأ نقع فيه هو أن تتحول الجنائز والمقابر بكثرة الاعتياد إلى مشهد مألوف يفقد تأثيره في القلوب، فيصبح الموت مجرد خبر يومي لا رسالة إلهية للتغيير.
المقابر: ليست ساحات للضجيج وتبادل السوالف، بل هي مواطن سكينة؛ من دخلها يجب أن يدخل بقلب خاشع ولسان لاهج بالذكر. فالمقبرة مكان لنتذكر فيه أننا سَنُدفن، لا لنتحدث فيه عما سنأكله بعد الفراغ من الدفن!
إن مجالس العزاء - للأسف الشديد - انحرفت لدى البعض عن غايتها الروحية والمواساة الإنسانية، لتتحول إلى مظاهر اجتماعية مرهقة يغلب عليها التكلف المبالغ فيه.
ومن واقع مشاهداتي وتجربتي الشخصية، يظهر هذا التباين جلياً:
لقد حضرتُ «بعض» عزاء أهل المدينة المنورة، ورأيت فيه من التكلف المبالغ فيه في كل شيء ما يبعث على التعب والأسف؛ حيث كان العزاء مكلفاً، صعباً، ومتعباً في آنٍ واحد، لشدة المبالغة في الكماليات وبروتوكولات الاستقبال والتوديع، وتجهيز ولائم الغداء والعشاء، وتقديم الشاي والقهوة وكأنه حفل اجتماعي!
وفي المقابل، حضرتُ عزاءً في المنطقة الشرقية، فكان على النقيض تماماً؛ وجدته بسيطاً جداً، ومتواضعاً للغاية، لا تكلف فيه ولا مبالغة، ولا تطغى عليه تلك الكماليات وحسابات الضيافة والأطعمة والأشربة.
للأسف الشديد، أقول هذا الكلام لأننا نرى «بعض» الحاضرين يأتون إلى مجالس العزاء غايتهم وهدفهم التحدث عن أمور دنيوية مخجلة؛ من طريقة الاستقبال إلى التوديع، ونوع الشاي، وطعم القهوة، ومذاق الأرز، وجودة اللحم، إلى القيل والقال، وإمضاء الوقت ب«السوالف»، مفرغين المصيبة من جلالها وعبرتها.
ومن هنا، أتمنى صادقاً من كل قلبي من جميع المؤمنين والمؤمنات أن يعيدوا النظر في هذه الأمور بجدية، وأن يستوعبوا تماماً أن هذه المظاهر والتكلف المادي والمعنوي ليست من الآداب في شيء، وليست أبداً من آداب محمد وآل محمد «صلوات الله وسلامه عليهم أجمعين» الذين علمونا السكينة، والزهد في المظاهر، ومواساة أهل المصاب بتخفيف الأعباء عنهم لا بإرهاقهم بالشكليات والكماليات.
إن مجلس العزاء ليس مجلس أخبار وأحاديث، بل مجلس رحمة وقرآن واستغفار. ومن المؤسف جداً أن يُتلى كلام الله بالأجزاء أو الأحزاب أو قراءة التختيمة «القرآن» عبر مكبرات الصوت في العزاء، وتشاهد «بعض» الحاضرين غارقين في أحاديثهم الجانبية. إن احترام القرآن لا يكون بتقبيله ووضعه على الرأس فقط، وحفظه في الأماكن المرتفعة فحسب، بل بإعظام تلاوته والإنصات له في أي مكان وزمان.
قاعدة ذهبية: إن لم يكن لديك ذكر أو دعاء تنطق به، فاجعل صمتك عبادة. تأمل في رحلة هذا الراحل السعيد إلى رحمة الله، وتدبر في المدة الزمنية القصيرة لهذه الدنيا. فرب كلمة دنيوية طائشة تجرح قلباً مكسوراً، ورب دعوة صادقة تفتح للميت أبواب الرحمة، ورب لحظة تفكر صامتة تغير مجرى حياتك بالكامل.
لقد شيعنا الكثير من الجنائز، ووقفنا على مئات القبور، وحضرنا مجالس عزاء لا تحصى؛ ولكن السؤال الحقيقي الذي يجب أن نواجه به أنفسنا: هل خرجنا من هذه المواقف بعِبرةٍ تُقرِّبنا من الله، أم خرجنا كما دخلنا؟
إذا غادرت المقبرة أو مجلس العزاء وقد صغرت الدنيا في عينك، وتلاشت أحقادك، ولانت نفسك، وعزمت على صلة من قطعك، والعفو عمن أساء إليك، حباً لله عز وجل، فهنيئاً لك، لأن تلك المواعظ الربانية أدت رسالتها الحقيقية في أعماق قلبك.
المطلوب منا أن نشيع خطانا بالذكر والتفكر، والاتعاظ من هذا الموقف الذي سنكون نحن أبطاله يوماً ما. فالجنازة لم تكن يوماً خبراً عن موت غيرك، إنها في الحقيقة رسالة من الله الرحمن الرحيم إلى الأحياء، قبل أن تكون وداعاً للأموات.
أطال الله أعماركم في خير وعافية ورزق واسع حلال طيب مبارك، والحمد لله رب العالمين.













