بضاعة مجنون
تخيّل لو أن رجلًا دخل اليوم إلى السوق يحمل تحت ذراعه حياءً قديمًا، ذمّة، وفاءً لا يتبدل، خجلًا من كسر القلوب، ورسائل لا تُكتب للمنفعة. ماذا سيحدث له؟ سيبدو كمن دخل مزاد سيارات بحصان. هذا بالضبط ما يحدث لبعض الناس في حياتنا الآن.
العالم تغيّر بسرعة مخيفة، حتى إنّ صفات كانت تُعلَّم للأطفال بفخر أصبح أصحابها يخفونها بحذر، وباتت بعض القلوب تُعامل كالأثاث العتيق؛ جميلة هي... لكن غير مناسبة للاستعمال اليومي. في زمن مضى كان الرجل يُعرف من ”موقفه“، اليوم يُعرف من ”حضوره“. قديمًا كان الإنسان يخجل إذا أثقل على أحد، أما الآن فبعضهم يثقل عليك ثم يسألك بثقة: ”لماذا تغيّرت؟“.
حتى العلاقات دخلها منطق التطبيقات؛ حذف، إضافة، كتم، أرشفة، ومشاعر بنظام الإشعارات. ولذلك صار أصحاب القلوب القديمة يمشون بين الناس كقطع نادرة لا يعرف أحد استعمالها. أحدهم يعتذر إذا تأخر دقيقة، ويقلق من نبرة صوته، ويعيد قراءة رسالته عشر مرات خوفًا أن تكون قاسية أو تجرح أو تُفهم خطأً... ثم يأتيه شخص آخر بكل برود ويهدم سنة كاملة من الود بجملة قصيرة كتبها وهو يأكل ”شاورما“.
المشكلة ليست هنا... المشكلة أن الطيٌب صار يشعر أحيانًا أنه المخطئ الوحيد لأنه لم يتعلم القسوة بالسرعة المطلوبة. وأظن أن أسوأ ما حدث للإنسان الحديث، أنه أقنع نفسه بأن التبلد نوع من النضج. صار الواحد كلما فقد شيئًا قال: ”عادي“، وكلما خذله أحد قال: ”ما تفرق“، وكلّما سقط داخله شيء عزيز... تابع يومه بين الناس كأنه لم يسمع ارتطامه وكأن شيئًا لم يهتز فيه. يا لهذه الكارثة، وكأن المشاعر الثقيلة أصبحت سلوكًا محرجًا يجب إخفاؤه.
حتى المجالس تغيّرت؛ زمان... كان الرجل يزور صديقه بلا موعد فيقول له: ”افتح الباب... اشتقت لك“. الآن لو فعلها أحد قد يُعامل كأنه مندوب إنترنت أو شخص بلا شعور. أتدري أنني سمعت برجل احتفظ عشرين سنة برقم هاتف أخيه الراحل، لا يتصل، ولم يحذف رقمه، فقط يتركه هناك كأن الحذف خيانة إضافية لا يحتملها. وحين عرف بعضهم بذلك ضحكوا - ربما من غرابة الأمر عندهم - فيقولون: ”يا أخي تجاوز هذا الأمر، فإلى متى؟“.
أعجبتني كلمة ”تجاوز“ هذه. يقولونها وكأن الإنسان آلة تتخطى الأعطال بزر صغير متواجد ساعة يشاء. تجاوز، تخطَّ، امشِ، انسَ، بدّل وغيّر حالك، أغلق الصفحة. لكن لا أحد يسأل: وماذا لو كانت بعض الأرواح لا خانات فيها للحذف أصلًا؟
هؤلاء هم أصحاب ”بضاعة مجنون“، الذين ما زالوا يحملون أشياء لا تحقق أرباحًا كالوفاء، الحياء، التأني، القلق على الآخرين، التعلّق، والصدق الثقيل الذي لا يعرف التمثيل. وفي كل مرة يدخلون بها هذا العالم... يكتشفون أن السوق مزدحم... لكن المشترين الخطأ هم الأكثر.













