التقييم في ضوء الشخصيات القرآنية
تأملات في القيم والمعايير المهنية
في صباح يوم جمعة مباركة، خطر ببالي سؤال مختلف:
إذا كانت مهنة التقييم الحديثة تقوم على التحليل والقياس والعدل وإعطاء الأشياء قيمتها الحقيقية، فهل يمكن أن نجد في القرآن الكريم نماذج وشخصيات نستمد منها مفاهيمنا المهنية وقيمنا وسلوكنا في ممارسة التقييم؟
وبالتأمل في آيات القرآن الكريم وقصص الأنبياء والصالحين، وجدت أن جوهر التقييم حاضر في مواضع كثيرة، وأن العديد من الشخصيات القرآنية جسدت صفات يحتاجها كل مقيّم يسعى للعدل والدقة والأمانة.
… الكفاءة والمعرفةقال تعالى: ﴿اجْعَلْنِي عَلَى خَزَائِنِ الْأَرْضِ إِنِّي حَفِيظٌ عَلِيمٌ﴾ [يوسف: 55]
لم يقدّم يوسف
نفسه على أساس المكانة أو الشهرة، بل على أساس الكفاءة والأمانة والعلم.
ومن قصته نتعلم أن المقيّم الناجح لا يعتمد على الانطباعات، بل على المعرفة والتحليل والقدرة على استشراف المستقبل وفهم المخاطر وتقدير النتائج.
فالعلم أساس التقييم، والأمانة حارسه.
… العدالة والإنصافقال تعالى: ﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف: 85]
ربما تكون هذه الآية من أبلغ ما يمكن أن يستحضره المقيّم في عمله اليومي.
فوظيفة المقيّم ليست رفع القيمة أو خفضها وفق الأهواء، بل إعطاء الأصل حقه الحقيقي دون زيادة أو نقصان.
ومن مدرسة شعيب
نتعلم أن العدالة ليست خيارًا مهنيًا، بل واجبًا أخلاقيًا.
… الحكمة في تقدير الحقوق
في قضية الحرث الذي أفسدته الغنم، منح الله سليمان
فهمًا دقيقًا للواقعة حتى يصل إلى الحل العادل بين الأطراف.
وهنا يظهر معنى مهم في التقييم، وهو أن تقدير الأضرار والتعويضات لا يقوم على الحساب المجرد فقط، بل يحتاج إلى فهم شامل للوقائع والآثار والحقوق.
فالحكمة قبل الحكم، والفهم قبل التقدير.
عندما واجه مشكلة يأجوج ومأجوج، لم يندفع مباشرة إلى التنفيذ، بل قيّم الواقع والموارد والمتطلبات ثم اختار الحل الأنسب.
ومن قصته نتعلم أهمية تقييم المخاطر، وتحليل الاحتياجات، ودراسة البدائل، واختيار الحل الذي يحقق أفضل منفعة بأفضل استخدام للموارد.
… القيمة الحقيقية وراء المظاهرفي قصة السفينة بدا الأمر لأول وهلة وكأنه إتلاف للأصل وإنقاص لقيمته، لكن الحقيقة كانت حماية الأصل من الضياع الكامل.
وهنا نتعلم درسًا بالغ الأهمية:
ليست كل قيمة ظاهرة هي القيمة الحقيقية، وليست كل خسارة آنية خسارة فعلية.
فالمقيّم المحترف يبحث عن الحقيقة الاقتصادية الكامنة وراء المظاهر.
… الأمانة أساس الثقةعندما قالت إحدى ابنتي الرجل الصالح: ﴿إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ﴾ [القصص: 26]
جمعت هذه الآية ركنين أساسيين لكل مهنة احترافية:
• القوة، وتمثل الكفاءة والخبرة والقدرة.
• والأمانة، وتمثل النزاهة والحياد والصدق.
فإذا اجتمعت الخبرة مع الأمانة اكتملت شخصية المهني الموثوق.
قال تعالى:
﴿وَالسَّمَاءَ رَفَعَهَا وَوَضَعَ الْمِيزَانَ * أَلَّا تَطْغَوْا فِي الْمِيزَانِ﴾ [الرحمن: 7-8]
ولعل أجمل ما يربط القرآن الكريم بمهنة التقييم هو مفهوم الميزان.
فالميزان ليس أداة وزن فحسب، بل رمز للعدل والدقة والموضوعية والانضباط.
وكلما اقترب المقيّم من الميزان اقترب من العدالة، وكلما ابتعد عنه اقترب من الظلم.
بعد هذا التأمل، أدركت أن التقييم ليس مجرد حرفة، بل منظومة من القيم القرآنية قوامها العلم والأمانة والعدل والحكمة والميزان.
فمهنة التقييم في جوهرها ليست أرقامًا ومعادلات وتقارير فحسب، بل رسالة أخلاقية ومسؤولية مهنية تقوم على تحري الحق والإنصاف وإعطاء الأشياء قدرها الحقيقي.
فمن يوسف
نتعلم الكفاءة والعلم، ومن موسى
الأمانة والثقة، ومن شعيب
العدالة والإنصاف، ومن سليمان
الحكمة في تقدير الحقوق، ومن ذي القرنين أهمية دراسة البدائل وتقييم المشروعات، ومن الخضر
البحث عن القيمة الحقيقية وراء المظاهر، ومن الميزان نتعلم أن العدل هو الغاية الكبرى التي ينبغي أن يسعى إليها كل مقيّم.
ولهذا أرى أن الآية التي يمكن أن تمثل جوهر رسالة المقيّم في جميع فروع التقييم هي قول الله تعالى:
﴿وَلَا تَبْخَسُوا النَّاسَ أَشْيَاءَهُمْ﴾ [الأعراف: 85]
فهي تختصر رسالة المهنة كلها:
أن نعطي كل أصلٍ قيمته الحقيقية، وكل حقٍ قدره العادلَ، دون زيادة أو نقصان.













