ما لم أكنه: صدى يتقدّم وأنا أتأخر
نقيض الحياة ليس الموت
في تلك اللحظة المعلّقة بين عتمة الغرفة واتساع المدى، لم تكن الفتاة المعدنية تزن احتمالات السقوط، بل كانت تزن ثقل الوجود.
وقفت على الحافة، والهواء يمشط شعرها الفضي بجرأة لا تعرف الاستئذان، يلامس برودة معدنها… ويوقظ فيها ارتعاشًا لم تعتد أن تعترف به.
كأن الحقيقة وحدها… قادرة على إرباكها.
بين أناملها، كتاب: ”خمسة أشياء يندم عليها المرء عند الموت“.
لم يكن كتابًا بقدر ما كان مرآة… مرآة لا تعكس الوجه، بل ما تأخر في داخله.
توقفت عند سطرٍ واحد،
لم تقرأه، بل شعرت أنه يقرأها:
”كنت أعيش في حياتي شخصًا آخر… ولكن بخطواتي.“
ارتفعت عيناها ببطء.
كأن المعنى لم يمر… بل استقر.
خلفها، الغرفة.
حيّزٌ يبدو مألوفًا أكثر مما ينبغي.
جدران مصقولة بتوقعات الآخرين، وسقف منخفض لا يُرى، لكنه يُشعر.
حياة تبدو حياة… لكنها لا تسكنها.
لم تكن المشكلة في ضيق المكان،
بل في الاتساع الذي لم يُمنح لها داخله.
أمامها، الخارج.
فراغ… نعم.
لكن ليس فراغًا مخيفًا، بل مساحة لم تُكتب بعد.
مساحة لا تتطلب منها أن تكون مناسبة، بل أن تكون فقط.
هناك، لا أقنعة.
لا نسخة محسّنة منها.
فقط هي… كما لم تُمنح فرصة أن تكون.
في تلك اللحظة، فهمت شيئًا لم تقله الكتب صراحة:
نقيض الحياة ليس الموت.
الموت نهاية واضحة، لحظة واحدة تنطفئ فيها الحكاية.
أما الإجبار… فهو حياة تُعاش كاملة، دون أن تُعاش.
أن تمشي بخطواتك، لكنك لا تصل إليك.
أن تتقن الدور، حتى تنسى أنك تمثّل.
أن تعيش في نسخة صالحة للجميع… ما عداك.
مدّت يدها نحو الهواء.
لم تسأل هذه المرة: ماذا سيحدث لو قفزت؟
بل سألت: ماذا سيبقى مني إن عدت؟
لأن العودة لم تعد تعني الأمان…
بل تعني الاستمرار في الغياب.
تدلّت قدمها في الفراغ.
لم تكن تختبر المسافة…
بل كانت تقترب، لأول مرة، من حقيقتها.
مالت برأسها قليلًا، كأنها تنصت لنسخة بعيدة منها—
تلك التي كانت تمشي بثقة، وهي لا تعرف أنها لا تمشي إليها.
تذكّرت سطرًا مرّ بها،
لا تعلم إن كان من هذا الكتاب… أم منها حين تعبت:
”أن أخطر ما قد يعيشه الإنسان… أن يصل بعيدًا، دون أن يصل لنفسه.“
أغمضت عينيها.
وسألت: لا أحد،
وربما سألتها هي، قبل أن تتعلّم كيف تتشبه:
ما الذي جعلني أتعلم خطى لا تشبهني… وأصدق أنها طريقي؟
سكون.
الهواء هذه المرة لم يلامس شعرها فقط،
بل مرّ من خلال السؤال.
وإن عرفت…
هل أملك أن أُعيد تشكيل خطوتي كما أريدها أنا،
أم أنني اعتدت الطريق… حتى لم أعد أراه؟












