آخر تحديث: 17 / 3 / 2026م - 12:19 ص

أمي.. علائق حلم وأطياف وصال

عبد العظيم شلي

في مثل هذا اليوم من العام المنصرم 25 رمضان 1446 رحلت أمي، سيظل هذا اليوم عالقًا في أذهان أولادها وبناتها وأخواتها وأخيها الوحيد، والأحفاد والأحباب.

عام مضى علينا ليس ككل الأعوام.

الذي قبله، حين كانت بيننا لم تزل ألسنتنا رطبة بمناداتها «أماه»،

ما أجملها من كلمة، هي أول نطق تعلمناه بعد أن حفظ وجداننا ملامحها كملاك سماوي، يمدنا بلطائف الرحمة وينبوع صدرها قوام حياة، كيانها فيض حنان لا ينقطع، أناملها تربت على أجسادنا الغضة لمسات شفاء، لا يهنأ لها عيش إلا أن ترانا في وئام وسلام وصحة وعافية في كل المواسم.

كبرنا وغزانا الشيب ولم نفطم بعد من رعايتها الحانية والسؤال عنا كل يوم، مرفقة بدعواتها القلبية التي تجهر بها عند سماعها نداء الله أكبر، وبعد الانتهاء من فريضة كل صلاة، تطوي سجادتها وتتمتم بالتسابيح والتبتل بأدعية اليقين، مرسلة في كل خطاوينا، كجنود تحرسنا في دروب الدنيا وحرزًا من عثرات المسير ونكبات الزمن، لا تكف عن الاتصال بنا بين يوم وآخر والاطمئنان علينا في الحل والترحال.

إذا نويت السفر في أرض الله الواسعة أخبرها قبل حزم الحقائب، استأذنها لطفًا كي لا ينشغل بالها، لكنها تعاتبني بل تأمرني بأن أيمم وجهي للأماكن المقدسة، بمفهوم لا يتزحزح «زور بيت الله والنبي والأئمة، زيارة وتجارة لك يا ولدي في الدنيا والآخرة»، أردّ بلين الكلام: «الحمد لله الذي وفقني لزيارتهم»، وأحيانًا ألجأ للصمت، وتردف: «موفق يا ولدي، حرسك الباري وين مارحت وين ماجيت».

يا يماه وآه يا يماه قبل عام سافرت عنا وتركتينا نجتر الآهات، حيارى على قارعة الانتظار نسترجع هوى بالذي كان، ولا زلنا ننتظر ما لا ينتظر ننشد مواويل الحزن: «متى الجيه متى الجيه.. متى الجيه عقب ماطالت الغيبه متى الجيه..»!

يا يماه غيبتك طالت علينا، نتأمل أن نلقاك طارقة الباب، نستقبلك أطيافًا من خيال ونقبل هامتك حلمًا ونصافحك سلام قلب لم يهدأ من ذكراك.

كم من المرات أتتني أمي في الأحلام، وأحسبها كأنها لم تزل تعيش بيننا، أراها ساعية في انشغالها اليومي في زوايا البيت، ودروب الحي، صوتها صدى، وأحاديثها شجى، أفيق وليت الحلم كان واقعًا، كيف تأتي ولماذا تأتي، أهي الرغبة الجامحة للقياها، أهو الشوق إلى محياها، مسكونين باللوعة والحسرة على رحيلها، فتأتي الأحلام متنفسًا لتواسي النفس العليلة السادرة في حزنها على فقد كان غير منتظر، أم هو تواصل روحي خارج إطار الجسد لا يعرف كنهه، ولا يدرك سره أم هو الحب الذي لا يوصف.

ذات حلم أبلغت بأنها مسافرة لزيارة الأئمة الأطهار، وبعد أيام سوف تعود لنا بالصوغات، وفي سياق الحلم هالني الفرح وظننت بأن أمي موجودة فعلًا، حية ترزق، ولم نعش بعد لحظة موتها، وما رحيلها واقعًا إلا مجرد حلم عابر، وكأن الواقع وهم والحلم حقيقة، آه.. هي أماني النفس التي تكابد الألم والتيه في عوالم استرجاع الأيام الفائتة وباستحضار اللحظات الجميلة معها، وبعودة السنين الحلوة للوراء لنعيش عمرًا مديدًا في كنفها ونحيا سعادة تحت ظلال جنتها، ليت زمننا معها يعود! ها هي تعود لنا ونلتقيها حلمًا إثر حلم لنتخفف من وطأة الأيام.

ما أعظم ذلك الحلم الذي قصصته على إخوتي، بأني حلمت بأمنا، ونحن نسكن بيتنا في الديرة زمن السبعينات والفيتها تنشر الثياب الرطبة وتعصرهم وتضعهم على حبل الغسيل القابع فوق السطح في الدور الثالث المسيج بجريد نخل متهالك والمرتكز على قاعدة يتخللها «مرازيم المطر» ولا يتعدى ارتفاعها 40 سم، بينما هي تتحرك فوقها بهمة ونشاط، وأنا أقول لها: «أماه لا توقفي هنيه، لا تتطرفي على الحافة، هذا الصوب جهة الغرب الجريد متكسر، حولي لا تطيحي»، رديت وبكل ثقة «لا تخف علي أني ما اطيح»!، لعله حلم يخبرنا إن شاء الله بأنها مع الذين لا خوف عليهم ولا يحزنون، وبين يد الرحمن راضية مرضية.

كم حلمت وحلمت بك يا أماه،

حتى إخوتي وخواتي والأحفاد قابلوك حلمًا وراء حلم وأنت تتحدثي معنا أحاديث شجن.

نتذكرك عطشًا لرؤياك فنستحضر مرايا وجهك وتلألؤ «حچاويك»، نقلب صورك ومشاهد أيامنا الحلوة معك والسنين الخواليا، نستعيدها بفائض الشوق خلال جلسات الأخوة مسبوقة ومنتهية بجملة «رحمك الله يا أمي».

ظمأ يسترسل حلمًا ظل يؤرقني، حينما جاءتني في مبنى جمعية الثقافة والفنون بالدمام - المبنى السابق - تبحث عني، وحين رأتني أقبلت علي بلهفة المشتاق أمسكتني من أكتافي تهزني هزًا، «وينك يا ولدي من زمان ماشفتك.. ليش ماتمرني..»! اندهشت فاغر الفاه وأسألها «كيف وصلتي من هو اللي جابك»؟ ردت: «يا ولدي السيارات واجد ركبت من سيارة لسيارة حتي جيت لك، ابغى اشوفك، ترى من زمان ماشفتك، افادي فيك، أنت زين، شحوالك..»!

يا اللهي، حضنتها وبكيت وفجأة صحيت من نومي وواصلت البكاء، يا له من عتاب، كيف يشتاق راحل لحي، وأي رؤية تتجسد في سويعات المنام، هل لتخبرنا بأن الضنا لم يزل عزيزًا عند أمه وإن سافرت في رحلة أبدية ستظل تسأل عنه، تواصل أثيري خفي لا يرى ولا يسمع، بل يستشعر في الوجدان والقلب، نابض في الذاكرة، ولواعج الأنفاس، فيأتي على هيئة حلم ليقول لنا ما لا نعلمه ولا ندركه، بأن الأم أم وإن غابت جسدًا، وكأن روحها تسكننا، وما نحن إلا امتداد لأمهاتنا، تخلقنا من أحشائهن، من نسيج كيانهن، من دمهن، نشأنا أجنة وخلقًا بعد خلق في ظلمات ثلاث، نأتي للدنيا عبر صرخاتهن وارتعاش أجسادهن التي تتلوى ألمًا بعد ألم، معلقات بين الحياة والموت، وما أن نخرج للنور تتلاقى الصرختان، صرخة أم بصرخة وليدها، وما حياتنا بكل ما فيها محصورة ما بين صرخة ميلاد وما بين صرخات رحيل.

كلما حضرت أمي في أحلامي أراها بعد الاستيقاظ صورًا من خيال، أطياف مسرة، أرى وجه أمي وجوهًا متعددة اللقطات كأجنحة حمامات بيضاء تحوم رفرفة في سماء الديرة وتجوب مشارف عين العودة والحلقوم، واسترسل بحسرات السنين عبر شجن عراقي ذو نفس واحد لا ينقطع منه كلمة: «ياشوگي.. وفرحتي.. ودنياتي ولوني، وعذابي ولهفتي.. وشكواي وظنوني..».

كم شكوت لك يا أمي الآمي ومتاعبي، وحين يضيق صدري لأي سبب من الأسباب وأنا الذي تجاوزت الستين بمجرد أن أجالسك أنسى ما أنا فيه، تسردي لي حكاية وراء حكاية، قصصًا من تراث الأولين، أهيم في وصفك وتشبيهاتك ذات المعاني الشتى، حينها تنفرج أسارير ابنك الكهل وكأنه طفل وديع، الجلسة معك يا أمي مثل ترياق للجسم، كنت تزيحين عني الهموم والظنون.

حنيني إليك لا ينقطع، كم تخيلت نفسي طفلًا أتبع ظلك عبر فيافي دروب فريق الأطرش وعيون المعامير، لم تزل أطيافك حية في خيالي وعبر تسجيلاتك الصوتية المتناثرة، دعيني يا أماه أصطحبك في صباحات الأعياد منذ وعيت على الدنيا إلى دون العشر، تحمميني وتغسلي رأسي بالطين الخويلدي، وتفركي جسمي «بالشملة» وتلبسيني ثوبًا جديدًا، وتطيبني عطرًا، وتأمريني بالذهاب لمجلس بيت سليس ومنازل عماتي وأعمامي لأخذ العيدية، وعلى جناح الفرح أسارع الخطى من درب إلى درب أعبر تحت السوابيط المظللة بالبهجة ودفء الأصوات المنبعثة من النوافذ، وأدلف من باب إلى باب، تقبلني العمات صافي وتاجه وزينب، والبخور عبق بالمكان وعطور البهجة وأنس الضحكات.

آه ما أعذب تلك الصباحات، وفرحة الجيران بمجالسهم العامرة، جمال تلك الأيام ذهب وولى وبقي حنين عزف يأسر الذاكرة ويعاتبها شوقًا، كل الذين كنت أعايدهم بالأمس قد رحلوا.

ظل شراع أمي يؤنسنا عن وحشة الأيام وظنناها أملًا سيبقى معنا لبضع سنين، ولكن هادم اللذات خطفها عنا بعد ليالي القدر، أعمار مقدرة في اللوح المحفوظ.

وها هو عيد الفطر الثاني سيحل بعد أيام وأنت يا أماه بعيدة عنا، انتهت نداوة ألسنتنا وتوقفت عبارة «عيد عليك مبارك يا أماه».

في صباح العيد ننظر لشاهد قبرك، ننثر عليك الرياحين ونهبك تلاوة من آيات الذكر الحكيم، ونقول «طيب الله ثراك يا أماه».

الرحمة والمغفرة لأمي ولأم أختي الكبرى زهراء «الحاجة نعيمة أم انور السيسبان» التي رحلت قبل شهر ونيف، ورحم الله جميع أمهات المؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهن والأموات.

سلام على أرواحكن الطاهرة.

دعوة قلبية:

إلهي وبحق شهرك الكريم وكتابك المنزل، الطف بكل من فقد عزيزًا وامسح على قلبه بالصبر والسلوان.