البيت والمال لن يحميا عائلتك
نُقل عن برتراند راسل قوله: «مشكلة العالم أن الجهلة واثقون من أنفسهم، بينما العقلاء مليئون بالشك». فيما نُقل عن فولتير: «أولئك الذين يستطيعون أن يجعلوك تؤمن بالسخافات يستطيعون أن يجعلوك ترتكب الفظائع». ويقول كونفوشيوس: «المعرفة الحقيقية هي أن تدرك مدى جهلك»، وأما الغزالي فيرى أن «الجهل أصل كل شر». هذه الكلمات، على اختلاف قائليها، تلتقي عند حقيقة واحدة: أن الجهل ليس فكرةً مجردة، بل قوة خفية تفسد الأشياء من جذورها. لذلك قد تسمع من يقول: أريد أن أبني بيتًا لأحقق الأمان لعائلتي، وأريد أن أجمع المال لأصونها، غير أن الحقيقة أن العائلة لن يحفظها - بعد الله سبحانه وتعالى - إلا العلم.
من المقولات الشائعة التي أضرت بعقول الأمة العربية قول القائل: «البهيم بهيم وين ما تحطه، والدكي دكي في أي مكان». والمقصود بـ «الدكي» في اللهجة الدارجة هو «الذكي»، إذ إن الذال كثيرًا ما تسقط في لهجتنا. أما «البهيم» فيقصد به - عند قائل هذه المقولة - الإنسان الذي خُلق عاجزًا عن الفهم. والصحيح - برأيي - أن الإنسان ذكي بطبيعته، بحيث لو أُحسن الاعتناء به منذ طفولته المبكرة لكان قادرًا على تحصيل كثير من العلوم والمهارات. ولا أنفي أن بعض الناس أشد ذكاءً من بعض، لكن الطفل الذي يُمنح منذ صغره أسباب التعلم وظروفه الجيدة سيكون - في الغالب - ذا حظ حسن من العلم. ثم ماذا؟! ثم إنك، سيدي القارئ، إن لم تهتم بتعليم طفلك أفضل تعليم، فلن يحفظ مستقبله البيت الذي منحته إياه ولا المال الذي جمعته له؛ فقد يموت في ذلك البيت بعد أن «يسفت» ما تركت له من مال. العلم وحده هو ما سيحفظ ابنك.
رُوي لي - دون أن أتأكد من صحة الرواية - أن عالمًا قال: «الجهل قتل أبي، وأعمى عيني، وسبب الاستعمار لوطني». ومهما تكن صحة نسبتها لقائلها فهي - إلى حد ما - كلمة صادقة؛ فالبيت الفخم واللامبورجيني التي قد يتبختر بها ابنك لن تجعلكما بمنأى عن الموت أو العمى، وربما ما هو أسوأ من ذلك. ابذل مساعيك، سيدي القارئ، في منح أبنائك العلم، واجتهد في ذلك غاية الاجتهاد. وأحذرك كل الحذر من الحكمة الشائعة: «البهيم بهيم وين ما تحطه، والدكي دكي في أي مكان». فبمثل هذه الحكمة قد تفقد البوصلة؛ فتمتلك بيتًا، وتمنح ابنك بورش كاريرا 911، وتظن أنك أسعدته، بينما الحقيقة أنك - من حيث لا تعلم - ربما تسببت في فقر أسرتك وضياع أمتك.












