جحود واحترام
من أكثر الأمور مزعجة وضاغطة هي:
عندما تسترسل بالبوح عما يثقل نفسك، ويؤذي روحك، وفي عز ثورة حديثك يكمم فمك بحجة شعور الطرف الآخر بأنك ترفع صوتك عليه!!!
هنا حقاً سوف تشعر بأنك تعيش وحيداً طالما عزك وأهميتك ومكانتك في سكوتك.
هكذا تعيش الكثير من الأمهات اللاتي فنوا أعمارهن في التربية والرعاية على أكمل وجه، حيث أصبحت جهودهم وكل سنوات العمر في مهب الريح.
كثيرة هي المواقف الصعبة التي تدخل الأم في دوامة الحزن والقهر، في حين لا تستوقف أحدهم وخاصة الأب. الذي لم يتحمل يوماً أي جزء من مهام الأم الجمة الثقيلة المتعبة.
فلم يحمم ويلبس ويرضع مولد صغير ينزلق بين يديه ودوار ضعف الدم وارتجاف الجسم وانقباضات جسدية ونفسية يرزح تحتها جاثمة بكل ثقلها لسنوات عليه.
ثم وبعد أن كبر وتزوج وأنجب بفضلها يأتي يوم يتمادى عليها يمكن من باب الدلع أم عدم الإحساس والاحترام…. الخ.
يرفع صوته مهاجم أمه بسبب أنها ترعى ابنه بطريقة مخالفة لنظامه في تربية أبنائه.
كأن أطعمته أو حممته أم ألبسته وقد يخلد للنوم خارج موعد جدوله ومواعيده الموضوعة من قبلهم.
وبالطبع هذا أمر مستحب وجيد طالما أبناؤهم عندهم.
أما إن طلبوا مساعدة الأم.
فيجب عليهم نسيان جداولهم م وأنظمتهم.
فلا تعاملوها وكأنها خرفة وجاهلة وعديمة إدراك.
عجبي العجب كله لهكذا تصرفات لا تدل على شيء غير قلة احترام وعدم تقدير.
أما الأكثر تأثيرا وضغطا على تلك الأم هو رد فعل الأب في مثل هكذا حالات، حين يحاول التخفيف من الموقف والدفاع عن أبنائه على أنهم لا يقصدون الأذية أو المضايقة وقلة الاحترام.
وهنا يأتي دور الشعرة التي قصمت ظهر البعير.
أما لماذا؟
فأقول لكل أب ينطبق عليه ما تقدم….
اعلم بأن دفاعك أو محاولة تبسيط المواقف في عز ثوران زوجتك وضيقها وشكواها لك، والذي ما هو إلا طريقتها الوحيدة للتخفيف من وجعها وخيباتها المتوالية من أمثال تلك المواقف من قبل أبنائها التي لا تعني لك شيئا سوى مواقف طبيعية عابرة؛ لأنها وبكل بساطة لم تمسك ولم تؤذي مشاعرك في شيء.
ما هو حقيقة الأمر إلا إشارة واضحة وصريحة تصل إليها بأنها بأحسن الأحوال في ذيل القائمة، برغم أنك دونها بقايا إنسان ليس إلا.
فإن أولئك الذين تتنفسهم وتشعرهم عرشك ورفعتك وملاذك؛ لأنهم يحمّلون اسمك، بينما هي التي حملتهم وأنجبتهم، وربتهم تبقى حاملة لعرضكم وشرفكم واستقراركم وأمانكم جميعا ما حييتم يستكثر عليها فقط البوح بضيقها والتنفيس ببعض ما يثقّل قلبها.
أخيرا همسة لكل أم على قيد انتظار الوفاء -
قال تعالى ﴿فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ، وَلَا تَنْهَرْهُمَا﴾ [الإسراء 23]،
﴿وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ﴾ [لقمان 14].
عن الإمام زين العابدين
:
وأما حق أمك، فإن تعلم أنها حملتك حيث لا يحتمل أحد أحدا، وأعطتك من ثمرة قلبها ما لا يعطي أحد أحدا، ووقتك بجميع جوارحها، ولم تبال أن تجوع وتطعمك، وتعطش وتسقيك، وتعرى وتكسوك. وتظلك وتضحى، وتهجر النوم لأجلك، ووقتك الحر والبرد لتكون لها، فإنك لا تطيق شكرها إلّا بعون اللّه وتوفيقه.
أي أن البر والرحمة والاحترام والتقدير والوقار والوفاء…إلخ.
كله توفيق، ورضى من الله - سبحانه وتعالى - ومن لا يرضي الله تعبان دنيا وآخرة.
نسأل الله الهداية والتوفيق لنا تجاه والدينا وللمؤمنين جميعهم.
أيتها الأم الحنون الرؤوم:
لا بد عليك من تقديم نفسك على الجميع، وأن تعودي إلى نفسك دوماً وسريعاً تلملمين ذاتك، وتجمعين مشاعرك تعاودين الطمأنينة والسكنيّة لتحافظي على مكانتك الشخصية وبقايا صحتك ونفسيتك المتآكلة بعوامل الزمن واستنزاف الإنجاب والتربية.
تأكدي أنك كما أي إنسان في هذا الكون الفسيح بأن الشكوى لغير الله مذلة.
وإن من يهتم لأمرك لن ينتظر شكواك، بل سوف يعبر عن ما يجول في صدرك قبل أن تنبس شفاهك.
من وصايا أمير المؤمنين ومولى المتقين الإمام علي بن أبي طالب
أنّه قال ”وَأَكْرِمْ نَفْسَكَ عَنْ كُلِّ دَنِيَّةٍ، وَإِنْ سَاقَتْكَ إِلَى الرَّغَائِبِ، فَإِنَّكَ لَنْ تَعْتَاضَ بِمَا تَبْذُلُ مِنْ نَفْسِكَ عِوَضاً. وَلاَ تَكُنْ عَبْدَ غَيْرِكَ، وَقَدْ جَعَلَكَ اللهُ حُرّاً“.
أخيرا وليس بآخر سؤال مفتوح من شطرين
من هو سند الزوجة الأم الفعلي أبناؤها أم الزوج أم ذاتها؟
وكم منا من يحتاج إعادة نظر في ترتيب أوليائه كي يبقى بأمان؟
















