عندما يسبقنا العمر
نحن أناس لا نستهين بالحياة، بل نجلّها إلى حدّ التأجيل. نؤمن أن لكل شيء وقته المناسب، ولذلك نضع الحياة نفسها في آخر القائمة، بعد أن ننتهي من كل ما هو «أهم». في البداية نستعد للدراسة، فنقنع أنفسنا أن الفرح يمكنه الانتظار. لا بأس، فالعلم أولًا. ثم نستعد للعمل، ونقول إن التعب الآن استثمار ذكي للراحة القادمة. ثم نستعد للاستقرار، ونؤجّل الأحلام مرة أخرى، لأن المسؤوليات لا تمزح.
وفي كل مرحلة نَعِدُ أنفسنا بأن المرحلة التالية ستكون أخفّ، أرحم، وأكثر إنسانية. نتعامل مع العمر وكأنه طريق سريع ممنوع التوقّف فيه. نمرّ على أيام جميلة دون أن ننزل من السيارة، نلوّح لها من النافذة ونقول.. ”ليس الآن“. حتى الذكريات نصنعها على عجل، وكأننا نخشى أن يضبطنا أحدهم ونحن نضيع بعض الوقت.
نقنع أنفسنا أن الجسد قوي، وأن الرفاهية قابلة للتأجيل، وأن الرغبة في الحياة لا تفسد إن تركناها جانبًا سنوات قليلة. لا يخطر ببالنا أن بعض الأشياء.. مثل الفرح، والمتعة، والدهشة تفسد إن لم تُستعمل. ثم تأتي محطة غير مدرجة في الخطة.. تعبٌ مفاجئ، مرآة صادقةً تعكس ما خلّفه الزمن، أو ركبة تذكّرنا أننا لم نعد كما كنّا. نضحك قليلًا، نُهوّن الأمر، ثم نكتشف أننا لم نُرهق أجسادنا فحسب، بل استنزفنا أعمارنا دون أن نشعر.
المفارقة الساخرة أننا نصل إلى هذه المرحلة ونحن ناجحون ظاهريًا. وأن كل شيء في مكانه.. إلا نحن. البيت قائم، أعمالنا مستقرة، خططنا مكتملة، لكن الشعور الداخلي يئن وكأنه يريد أن يقول.. ليتني وعيت مبكرا، ربما عشت أفضل..!
نؤجّل السفر إلى ما بعد التقاعد، وكأن الجسد سيبقى في وضع الانتظار، وكأن الحماسة لا تنطفي. نؤجّل الكتابة إلى حين يتوفر لدينا المزيد من الوقت الحرّ، لم نكن نعي أن الوقت حين يتفرّغ تكون اليد قد تعبت والفكر قد تبلد. نؤجّل الاستمتاع بما جمعناه من مال وخبرة، على أمل أن نعيشه دفعة واحدة، ثم نكتشف أن المتعة لا تُخزَّن، وأن الحياة لا تُصرف بأثر رجعي.
نقول بثقة.. عندما نتقاعد سنعيش، سنسافر، سنقرأ، سنكتب، سنمارس هواياتنا ونفعل كل ما لم يسمح لنا به العمل والحياة. لكننا للأسف لم نسأل أنفسنا سؤالًا بسيطًا.. هل سيبقى حالنا على ما نحن عليه الآن حين نصل إلى تلك المرحلة من العمر..؟
وحين يأتي الوقت الذي انتظرناه طويلًا، نجده حاضرًا فعلًا.. لكننا نكتشف بعد طول انتظار أن كل شيء قد تبدد.. أجسادنا، أفكارنا. نظرتنا للحياة كلها قد تغيرت. وهكذا، دون أن نشعر، يمضي العمر نستعد للحياة، ثم نصل لنكتشف أن الحياة مرّت بنا بهدوء، وهي تمارس أبسط حقوقها.. ألا تنتظر أحدًا.
















