آخر تحديث: 27 / 1 / 2026م - 6:24 م

فيزياء الظلم

حسين مكي المحروس

قد يختلف الظلم كمًّا وكيفًا مع ما قد يترتب عليه من شر وأذى على الجانبين الشخصي والمجتمعي وفقًا لشدته وتأثيره واتساع أفقه وشموليته. ولأننا نؤمن باليوم الآخر، فنحن على يقين بأن الله سبحانه وتعالى لا يرضى بالظلم؛ مما يستلزم معاقبة الظالمين بأقسى أنواع العذاب «جزاءً وفاقًا». ونظرًا للملازمة بين العقوبتين الدنيوية والأخروية، نريد هنا أن نركز فقط على الحصيلة الدنيوية للظلم من منظور العدسة الفيزيائية المحضة، وهنا يلوح في الأفق سؤال مُلِحّ عمّا إن كان سيتوجب علينا عقلًا ووجدانًا التعويل على السنة الكونية «الفيزيائية» العقابية كحصيلة طبيعية حتمية لوقوع الظلم واستفحاله؟

من رؤية فضائية بحتة، لا ينبغي التقليل من تقييم ظاهرة الظلم أو تصنيفها على أنها ضرب من صور الانحراف الأخلاقي العابر أو السلوك الفردي، القابل لطمسه بالاعتذار أو الممكن احتواؤه بالنسيان. فالمسألة أعمق من ذلك؛ إذ يترتب على الظلم علة بنيوية تصيب في مقتل صميم توازن النظام الكوني. نتحدث هنا عن النظام الذي يحكم الوجود الإنساني بأسره وبجميع تفاصيله وأركانه. بالنظر إلى القوانين الفيزيائية، سنكتشف أن العالم لا يتقوم بالسذاجة في حسن النوايا ولا يلتفت إلى المجاملات، بقدر ما يستند إلى توازنات دقيقة تحكمها علاقات وقوانين وسنن صارمة لا تمتلك رفاهية عدم الامتثال أو الرغبة في التخلف. إن أي اختلال في أحد عناصر هذه المنظومة الكونية لن يبقى محدود الأثر، بل على العكس فإن يده ستطال البنية الكونية برمتها. بهذا المستوى من الوعي والإدراك، يَلزم العاقلَ أن يتحاشى الظلم، بل يخشى جميع أصناف الإساءة للآخرين حتى لا يكون سببًا موجبًا للعبث بشروط استقرار النظام الوجودي.

نضرب هذا المثال لتوضيح المعنى ولبلورة الفكرة بشيء من الدقة في ذهن القارئ والقارئة الكريمين. الفيزياء الحرارية تؤكد أن الطاقة لا يمكن حبسها في اتجاه واحد إلى ما لا نهاية. تسري الحرارة من السطح الأشد سخونة إلى الأبرد، بينما يبحث الضغط عن منفذ حتى ينخفض، ويتحوّل التوتر الميكانيكي إلى انكسار أو انبعاج إذا ما طال أمده. هذه ليست صورًا لأحكام عشوائية بحتة، لكونها تعميقًا لفاعلية القوانين الوجودية الحاكمة. وفي الوقت نفسه، هذه القوانين هي المنظمة للسلوك الفيزيائي الشامل كما هو واضح بالوجدان. يعمل الظلم ضمن المنطق نفسه؛ فهو نتيجة طبيعية لتراكم الطاقة السالبة داخل البنية الاجتماعية الإنسانية. وبما أن الطاقة لا تفنى ولا تتبدد، وإنما تتحوّل وتنتقل داخل تركيبة المجتمع، لذلك قد يتأخر ظهور آثارها. حتى مع فرض تأخر ظهور آثار الظلم، سيظل مفعوله محفوظًا في نسيج الواقع اللفيفي، ينتظر اللحظة المواتية حتى يبلغ حدّ التحول والانكسار والانفجار.

ومن الأخطاء الشائعة في اللاوعي المسيطر على العقل الجمعي هو الظن بأن تأخر العقاب للظالم وعدم سرعة الانتقام منه مرده إلى الرضا بما يقوم به، أو إلى ضعف المنتقم وعجزه، أو إلى غياب سلطة القانون؛ مما يفضي إلى تقبل الناس للظلم وتعايشهم وركونهم إليه. وفي طيات مثل هذا الاعتقاد يكمن الخلط المتعمد بين معضلة غياب القانون وحكمة تأخير القصاص. أما الفيزياء فلها رأي آخر، حيث إن أكثر القوانين فاعلية هي تلك التي تعمل بصمت ودقة وديمومة من غير هرولة ولا تأجيل. ألا ترى قوة الجاذبية؟ فمع كونها عصية على الرصد بالعين البشرية، إلا أنها لم تتخلف أو تتقاعس عن القيام بدورها المركزي في حفظ الكون. كذلك الظلم، إن لم يُواجَه لظروف استثنائية مباشرة فور حدوثه، فليس معنى ذلك أنه أصبح مهمَلًا منسيًّا أو أمسى متقبلًا في اللاوعي المجتمعي. إنه ينتظر بلوغ مرحلة الانكسار الحرجة، لتظهر بصمات الإنكار والرفض له. فكما تحافظ الأنظمة الفيزيائية على تماسكها الظاهري رغم تراكم الخلل في بواطنها، كذلك يظل النظام الاجتماعي قائمًا ظاهريًا حتى مع استحكام الظلم، بانتظار أن يصل إلى نقطة يصبح فيها الانهيار المجتمعي سنة حتمية، دونما أدنى حاجة إلى الاستعانة بسب خارجي.

طِبقًا لهذا النسق والسياق، يتنقل التعبير القرآني من مجرد سرد التحذير الأخلاقي إلى توصيفه كسنّة كونية ثابتة: ﴿وَكَذَلِكَ أَخْذُ رَبِّكَ إِذَا أَخَذَ الْقُرَى وَهِيَ ظَالِمَةٌ [هود: 102]، فهي دائمًا تنتظر المصير نفسه دون تخلف عن عين المنوال والنمط الكوني: ﴿وَإِذَا أَرَدْنَا أَنْ نُهْلِكَ قَرْيَةً أَمَرْنَا مُتْرَفِيهَا فَفَسَقُوا فِيهَا فَحَقَّ عَلَيْهَا الْقَوْلُ فَدَمَّرْنَاهَا تَدْمِيرًا [الإسراء: 16]. لاحظ أن كلتا الآيتين الكريمتين تركز على الاستمرارية والإصرار على الظلم، ولا تتحدثان عن فعل عابر قصير الأمد محدود الأثر. حالة ظلم مستقرة يتحوّل فيها من وضعية الممارسات المتقطعة إلى تركيبة وركيزة قائمة متأصلة، ومن انحراف فردي إلى نظام شمولي. عندها تضمن الآية حتمية التطبيق الحرفي للسنن الكونية الفيزيائية، كما تتجلى النتيجة الواقعية الصارخة المتمثلة في الانهيار كمآل لا مفر منه. تمامًا على غرار ما يتوقعه الفيزيائي من الانهيار الفطري للمادة إذا ما تجاوزت حدود مرونتها فأضحت ضعيفة وباتت هشّة، مهما بدا له من ظاهرها أنها لا تزال صلبة متماسكة.

ومما يثير الشفقة أن الظالم قد يتوهّم أنه يسيطر ما دام يستحوذ على أدوات القوة، غير أن هذا الوهم يتغافل عن حقيقة أساسية: أن القوة لا تعمل خارج القانون، بل تنفعل وتتفاعل في دواخله. في الفيزياء لا تستطيع القوة أن تُلغي القانون نفسه، لكن قد يسمح لها الظرف بأن تستكشف أثر القانون وبصمته. ومن كان يعتقد أنه فوق القانون، سيكون بالرغم منه من أوائل الذين يخضعون لنتائجه. صبر الله سبحانه وتعالى على الظالم ليس غفلة منه؛ لأن الغفلة تناقض العلم، أما الإمهال فصورة من الاستدراج، حيث يعمل الزمن وسيطًا فيسمح بتراكم الأخطاء ريثما تستكمل شروط الانتقام الإلهي: ﴿وَلَا تَحْسَبَنَّ اللَّهَ غَافِلًا عَمَّا يَعْمَلُ الظَّالِمُونَ [إبراهيم: 42].

ختامًا، تكشف فيزياء الظلم حقيقة قد تبدو صادمة للبعض، وهي أن النظام الكوني لا ينتظر أحدًا حتى يصحّح المسار. مع أن التعبير عن رفض الظلم ضروري، ولكن إن لم يتمكن المظلوم من ذلك، فيكفي أن يترك الاختلال برهة من الزمن حتى يتراكم وتصبح استمرارية النظام مستحيلة. فالاعتقاد بديمومة الظلم يشبه الاقتناع بأن جسمًا معلقًا في الفراغ لن يسقط أبدًا، فقط لمجرد أنه لم يحن بعد ظرفه الزمكاني ليهوي. القوانين لا تتعطَّل رغم تناوب الأزمنة، ولا تُبطلها القدرة المؤقتة على الاحتمال، بل إن الزمن نفسه - على المدى البعيد - يعمل في اتجاه القانون وصيرورته.