التذكرة إلى عالم الخلود
الآية القرآنية الكريمة ﴿إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ﴾ [الحجرات: 13] هي المقياس الإلهي للمفاضلة بين البشر، وتؤكد أن التفاضل لا يكون بالنسب أو المال أو الحسب، بل بتقوى الله عز وجل وطاعته، حيث إن أشدكم اتقاءً له وخشيةً هو الأكرم عند الله.
ومن هذا المنطلق، لم يذكر الله عز وجل كيفية بعض العبادات وكثرتها وقلتها والزيارات إلخ، بل جعلها مفتوحة للسباق إلى الخيرات، ولذلك تؤكد التقديرات أن آيات الأخلاق والمعاملات في القرآن الكريم تفوق آيات العبادات بشكل كبير، حيث تشير الدراسات إلى وجود أكثر من 1,500 آية تتناول الأخلاق والمعاملات، بينما آيات العبادات المباشرة تُقدَّر بنحو 110 إلى 130 آية فقط.
وأنا أعتقد ككاتب أنه مقياس ضخم جدًا، يدعو الإنسان للتفكير والتدبر مرة ومرتين وملايين المرات في هذه الآية المباركة، قراءتها سهلة جدًا ولكن العمل بها ليس لها حدود، سباق مع الزمن.
فلو تمعنا قليلًا، نلاحظ أن الأنبياء جميعهم لم تقف رسالتهم عند حدود الدعوة فقط، بل تجاوزت إلى أبعاد لا حدود لها ولا يستوعبها العقل البشري. على سبيل المثال لا الحصر:
• نبي الله نوح ”
“ هو من دعا قومه إلى عبادة الله وحده وترك الأصنام لمدة 950 سنة، كما ذكر في القرآن الكريم: ﴿فَلَبِثَ فِيهِمْ أَلْفَ سَنَةٍ إِلَّا خَمْسِينَ عَامًا﴾ [العنكبوت: 14]. استمرت دعوته طويلًا، ليلًا ونهارًا، سرًا وعلانية، ومع ذلك لم يؤمن معه إلا قليل من قومه. والشيء الملفت للانتباه، والذي يستحق الوقوف عنده، الصبر العظيم، وبناء سفينة نوح كان بأمر إلهي وفقًا للديانات السماوية، حيث أمره الله بصنع سفينة ضخمة من خشب الجوفر، وغالبًا ما يُعتقد أنه الأرز، لتنجو به وعائلته والمؤمنين والحيوانات من الطوفان العظيم، وكانت بأبعاد محددة ومقسمة إلى ثلاثة طوابق للحيوانات والناس والنفايات، وتمت تغطيتها بالقار من الداخل والخارج كما هو مذكور في الروايات. لم يكتفِ النبي بالدعوة، بل خرج من دائرة الدعوة إلى دائرة أخرى إضافية، وهي العمل الميداني، وقومه يسخرون منه خلال عملية البناء.
• نبي الله داوود ”
“ خرج ذات يوم يتفقد الناس، وهو ملثم الوجه، سُئل أحد الأشخاص: ”كيف ترى داوود بالحكم؟“ أجاب الرجل: نعم الحاكم ونعم النبي، ولكنه يأكل من بيت المال. طبعًا، لا توجد مشكلة من أخذ من بيت المال لأنه يعتبر موظفًا لدى الشعب، ولكن كان القصد هو الترفع عن أخذ من بيت المال، فسلك النبي مسارًا آخر وترفع عن بيت المال. ألان الله تعالى الحديد كمعجزة، فصار في يديه طيِّعًا كالعجين أو الطين دون الحاجة إلى نار أو مطرقة.
• خاتم النبيين النبي محمد ﷺ، وهو نبي وجوهرة الإسلام، لم يكتفِ بشرف النبوة وهيبتها العظيمة، ففي جميع الغزوات الإسلامية ونشر دعوة الحق، كان يشرف على المقاتلين والخيول وخطط المواجهة إلخ، ومن ثم يدعو الله تعالى.
• الإمام علي بن أبي طالب
رمز للشجاعة والفروسية في التاريخ الإسلامي، حيث عُرف بإقدامه الذي لم يعرف التراجع، وكان سيفه ”ذو الفقار“ حاسمًا في نصرة الدين. برزت شجاعته في كافة المعارك النبوية «بدر، أحد، الخندق، خيبر»، ولم يسجد لصنم قط، مما جعله من أشجع مقاتلي الإسلام، بالإضافة إلى كونه إمامًا وخليفة المسلمين.
• الإمام جعفر الصادق
، عُرف بغزارة علمه في الفقه، والتفسير، والحديث، والكيمياء، والفلك، مؤسسًا نهضة علمية عبر آلاف التلاميذ «أبرزهم جابر بن حيان». بالإضافة إلى العلوم الدينية، توجه إلى أبعد من ذلك بكثير، وهي علوم الكيمياء والفلك.
• وأخيرًا، لقمان، كما ورد ذكره في سورة لقمان بالقرآن الكريم، رجل داكن البشرة، راعي غنم، ومملوك لرجل. سُئل لقمان: كيف أتيت بالحكمة؟ أجاب: قدر الله، أداء الأمانة، صدق الحديث، والصمت عما لا يعنيني. نعم، أصبح أحد أولياء الله، يُقرأ اسمه على مسامع البشر إلى يوم الدين. شيء عظيم، فلا تحقرن من الطاعة شيئًا، عسى أن يكون رضي الله به.
قد يعمل الشخص في العبادات عشرات بل مئات المرات، وقد يكون الشخص عالمًا، وعلمه منتشر في كل أصقاع العالم، لكن مع كل هذه السنوات من العبادات والعلم لا تجد الرضا والقبول عند الله عز وجل لسبب ما قد يجهله العبد، إما لخلل بسيط، أو لأن القبول قد وُجد دنيويًا فقط، كاحترام الناس له وحصوله على الأجر المادي، ويواجه هذا العالم أو العبد المثقل بالعبادات والعلم حالة من النقص الحاد في رصيد الآخرة. بينما ترى شخصًا آخر دخل الجنة بسبب رفقه بالحيوان وتقديم الماء لهم، وهو بعيد عن فصول الإيمان. فلا تحقرن من الطاعة شيئًا، عسى أن يكون رضي الله فيه.
وفي المقابل، لا تحقرن من المعصية شيئًا، فهناك قصة جميلة عن ملك ملطخة أعماله بالطغيان من قتل وسلب أموال الناس إلخ. ذات يوم خرج الملك حول القصر، فشاهد كوخًا خلف القصر، فرجع إلى القصر منزعجًا، وسُئلت الحاشية: إلى من يعود هذا الكوخ؟ قالوا له: امرأة عجوز، يا جلالة الملك، تخرج صباحًا تبحث عن الخبز، ثم ترجع في الليل إلى هذا الكوخ. أمر هذا الملك بإزالة الكوخ.
قالوا له إنه بعيد عن أسوار القصر، وليس له تأثير، فأصر على إزالة الكوخ، ونُفذ الأمر الملكي. رجعت العجوز إلى الكوخ ولم تجده، فلم تفعل شيئًا، فقط رفعت رأسها وبصرها إلى السماء، ثم قالت الكلمات القوية: عندما أُزيل الكوخ لم أكن موجودة، وأنت أيضًا لم تكن موجودًا، ألم ترهم؟ النتيجة العظيمة: أوحى الله تعالى إلى الملائكة أن يخسفوا به وبقصره. القوة والعظمة لله تعالى.
ولذلك، يجب علينا الدخول في سباق مع الزمن في أكثر من مسار، كمسدس متعدد الاتجاهات، لعل وعسى أن نفلح ونصيب رضا الله تعالى وقبول العمل وحسن الخاتمة. فجميعنا فقراء إلى الله تعالى، بل مدينون له، ولا نستطيع الوفاء بنعمه العديدة التي لا تُحصى، كبعض أجزاء جسم الإنسان التي بها ملايين الخلايا تعمل على مدار الساعة بدقة متناهية، فذهابنا إلى الجنة بلطفه ورحمته.
















