آخر تحديث: 27 / 1 / 2026م - 6:24 م

الحاجة إلى إعادة هندسة العقل الجمعي

حسين مكي المحروس

يتشكل العقل الجمعي من المساهمات الفكرية الفردية الناتجة عن اللاوعي؛ بحيث يصبح هو السمة والتوجه الشمولي العام للمجتمع ككل. أما لفظة العقل الجماعي أو الجمعي لأي مكوّن، فتكشف عن مدى الانعكاس والتطابق والتشابه والتقارب بين رؤية الفرد وبين النظرة الفكرية المشتركة لمعظم أفراد ونخب ذلك الجسم المجتمعي. وهذا الانجذاب والاصطفاف الفكري يترسب ويتراكم مع الزمن ولا يتكوّن دفعة واحدة، كما أنه لا يمكن أن يولد ناضجًا مكتملًا؛ فهو يتشكل ببطء مع الزمن من خلال مزيج من العناصر والمؤثرات كالأحداث اليومية، والخلفية التاريخية، والمنصة الثقافية، مشفوعة بالظروف الآنية المحيطة.

طبقة فوق طبقة، كما تتكدس الرسوبيات في قاع المحيط، تتخلق الفكرة الجمعية العابرة على هيئة خبر مستساغ، أو صورة نمطية مألوفة، أو ارتكاز ذهني نمطي، وجميعها عوامل مساهمة في تشكيل وإدارة واحتكار مقتضيات الرأي العام للمجتمع. وبالرغم من أن نزرًا يسيرًا فقط من الأحداث يترك أثرًا صغيرًا، قد لا نلاحظ هذا الجنوح المجتمعي لعدم بروزه وحده كخبر قائم بذاته، مع أنه يمتلك القدرة على صياغة مجرى التفكير العام، ويملي على اللاوعي الجمعي ما يجب أن نراه طبيعيًّا، وما ينبغي أن نعدّه مستحيلًا.

وحين نُدرك أن معظم قناعات الناس لم تُعطَ الفرصة ليتم فحصها بعقولهم الفردية بعين باصرة متأنية، لأن هذه الأفكار قد استُعيرت من الجو السائد؛ يتبيّن لك، ابني وابنتي القارئين الكريمين، مدى خطورة ترك هذا العقل الجماعي دون تثقيف وملاحظة ومراجعة وتقويم. وعليه، فإن لم يُهندس هذا العقل الجمعي ويُعاد تشكيله وصيانته تلقائيًّا ودوريًّا على يد الأصوب فكرًا، بعيدًا عن الأقوى صوتًا والأشهر ميديا، سوف يتأخر وينحرف ويحيد.

في مجال الهندسة مثلًا، يجب ألا نترك البناء ليكتمل بصورة عشوائية من دون رقابة صارمة؛ لأن أي خطأ صغير في أساسات المبنى وقواعده سيتضخم مع ازدياد الارتفاع، مما سيصعب أي عملية للإصلاح لاحقًا. بنفس المنطق، فخطورة إهمال العقل الجمعي دونما مراقبة أو تصويب تكمن في إمكانية جنوحه واعتلاله إذا ما هبت رياح الأحداث. ليس المطلوب منا أبدًا السيطرة عليه، لكن الأجدى والأجدر بنا الشروع في تحريره من آفة التلقين، وإعادته إلى وظيفته الأصلية المتمثلة في تغليب جانب التعقل بعيدًا عن وباء التقبل والترديد.

إعادة الهندسة تبدأ بالتشجيع على طرح الآراء الجريئة ومناقشتها بهدوء، وصياغة الأسئلة الجوهرية ومحاولة الإجابة عنها. لننتقل من حقبة تجريم السؤال إلى مرحلة رفض التقليد الأعمى غير المستند إلى دليل مقنع. نحتاج لأن نتحلى بالشجاعة المطلوبة للإجابة عن الأسئلة، بشرط أن يكون هدف التساؤل هو الوصول للحقيقة، وليس هدم المبادئ والثوابت العقائدية. المطلوب هو النقد الذاتي للمجتمع وحلحلة المعضلات التي تبرز أكثر إصرارًا، وذلك بإيجاد البدائل بظروف نابعة من خارج الصندوق. نشجع الاستفسارات الهادفة المتوازنة بعيدًا عن التشنج والعصبية، لا نبتغي غير الحق ولا نروم غير الحقيقة.

بالمقابل، فإن العقل الجمعي حينما يتوقف عن طرح الأسئلة، ويستنكف عن مناقشة الأفكار الحديثة، ويعاقب على تحليل الوقائع الجارية؛ يتحول إلى ذاكرة ضخمة، لكنها عقيمة بطيئة سقيمة ومتهالكة. تستحيل ذاكرة الوعي المجتمعي حينئذ إلى مخزون من الشعارات الخاوية التي تفتقر لأدنى روح. ثق بأن المجتمع الذي يخشى مناقشة التساؤلات المصيرية يشبه جسدًا يخشى البوح بالألم، فيفضل أن يترك المرض ينمو ويستشري بصمت في صميم جسده على أن يشخص العلاج الناجع ويستأصل أصل الداء.

ننتبه إلى أن طرح السؤال وحده لا يكفي إن لم يُصاحبه منهج واضح في إيضاح وتقنين الأطر المساعدة على الإجابة. كما في العلم، فإنه لا قيمة لفرضية بلا تجربة، كذلك لا فائدة من رأي خاوٍ غير مدعوم بالدليل. في الفكر التوعوي العام، لا بد من نقل الناس من منطق «هكذا وجدنا» إلى منطق «لماذا هو كذلك؟». هذا الانتقال والتكامل هو عين ما ننادي به من ضرورة إعادة هندسة وتشكيل وصياغة العقل الجمعي. ببساطة، نحن ندعو إلى تحويل العقل الجمعي من وضعية المتلقي السلبية إلى مرحلة المشاركة الجماعية الواعية الهادفة.

وتبرز الحاجة إلى ما ندعو إليه بإلحاح أشد حين ندرك أن أدوات تشكيل العقل الجمعي اليوم لم تعد مقصورة على زوايا المساجد أو مقاعد المدارس فقط، بل تعدتها إلى شاشات وسائل التواصل الاجتماعي، والخوارزميات، والتكرار الممنهج للأفكار السلبية والمقيتة الهدامة. الفكرة التي تتكرر، حتى مع وضوح كونها سخيفة على المستوى الفردي، إلا أنها جماعيًّا تتلقى قبولًا وتكتسب زخمًا وسلطة مع الزمن، بعد طول الترديد المستمر المقصود الممنهج. والنتيجة أن الفكرة السيئة تلبس ثوب القبول، وترتدي عباءة العرف، وتتعطف بالقانون، وتتحزم ”بالسوشيال ميديا“.

من هذه الزاوية، سوف يصبح الصمت الفكري المجتمعي جريمة غير مباشرة حين يَنأى اللقاح الفكري المضاد بنفسه عن التدخل والتصحيح. حينها يستمر الفراغ ويتم ملؤه بما يصح وما لا يصح. إنها الفرصة المواتية التي يقتنصها أهل الذمم الخبيثة في تمرير أهدافهم المريضة ومعتقداتهم الفاسدة. القاعدة الفيزيائية تقرر عدم إمكانية وجود الفراغ حتى وإن كان فراغًا ذهنيًّا جمعيًّا، فلا بد من ملئه بما هو جاهز وسهل وسريع. حذارِ من أن يُملأ بالسخافات.

إعادة هندسة العقل الجمعي ليست مشروع نخبة مجتمعية محددة، إنها مسؤولية مشتركة. تبدأ من الفرد حين يراجع قناعاته، ويتواضع أمام جهله وتقصيره وعدم مبالاته بمجتمعه، ويقبل أن يغيّر رأيه بعدما يتبيّن له أنه الحق. ثم تمتد إلى الأسرة، حين تتحول من بيئة أوامر ونواهٍ إلى مساحة للحوار والنقاش والتعايش والتغيير والتكامل. ثم إلى المجتمع، حين تُكافأ فيه الفكرة الجيدة في قبالة الصوت العالي، ويُحترم الاختلاف بدل أن يُقصى ويحارب.

نعم، لن تنجح هذه الهندسة دون وجود تأصيل لبعد قيمي؛ فالعقل، إن لم يُضبط بالأخلاق، قد يصبح أداة تبرير بدل أن يكون عامل رشد وهداية. لذلك كان الغرض من إرسال الأنبياء والأوصياء - صلوات الله عليهم - في صميمه هو نمط من إعادة هندسة العقل الجمعي الجاهلي عبر نقله من عبادة الأصنام وطاعة الطواغيت إلى عبادة الله وحده دون سواه، نقلة فكرية جماعية من مقت العصبية إلى حب وتطبيق العدالة، ومن التقليد الأعمى إلى التفكر في آيات الله ومخلوقاته.

ختامًا، فإن ما ننادي به هنا من إعادة هندسة العقل الجمعي ليست دعوة صاخبة آنية مستعجلة؛ لأنها تتطلب عملية هادئة طويلة النفس تشبه إلى حد بعيد إعادة ضبط بوصلة السفينة كلما تاهت في عرض البحر. قد لا يلاحظ ركاب السفينة مدى وزاوية وقساوة التغيير لحظيًّا، لكنهم بعد زمن سيدركون أنهم لم يعودوا يسيرون في الاتجاه الخاطئ. إذن، يا صديقي، المشكلة ببساطة لا تكمن في أن نخطئ الطريق، المصيبة هي في أن نعتاد الخطأ حتى نظنه قدرًا محتومًا غير قابل للتغيير: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنفُسِهِمْ [الرعد: 11].