آخر تحديث: 21 / 6 / 2024م - 1:01 ص

هل الحب أصل في الإنسان أم الكراهية؟

كاظم الشبيب

يؤيد ترجيح كفة الطبيعة الفطرية الطيبة للإنسان وعدم عدوانيته كأصل تكويني ما يراه بعض علماء أصل الإنسان، حيث يستشهدون في ”علم أصل الإنسان Antropology“ بمجموعة كبيرة من القبائل البدائية، التي لا نجد عندها بالمطلق عدوانيات محددة، لكن بالعكس نجد روح الصداقة العامة. وعند وصف هذه القبائل نجد فيها أعراض متآلفة: قليل جداً من العدوانية، لا جرائم، لا اغتيالات. هذه القبائل تجدها مثلاً في شمال أمريكا، من يسمون ”هنود البويبلو“، وكذلك تجدهم موزعين في انحاء الكرة الأرضية.

السيد ”كولين توريغول“ عرض وصفاً رائعاً عن إحدى القبائل: هم بمجملهم صيادون بدائيون، وهم يسمون بيغماين Pygmaen في وسط أفريقيا، ولا يختلفون كثيراً عن اولئك الصيادين قبل ثلاثين ألف سنة، إنهم يعيشون وسط الأدغال، وقلما تحدث عداوات بينهم. يجدون في الأدغال أمهم الحانية والحامية لهم. إنهم يصطادون وحسب، كثيراً من الحيوانات حسب حاجتهم وإمكانياتهم لسد حاجتهم من الطعام، أما أن يحتفظوا بلحوم الصيد فهذا غير وارد، لاستحالة حفظها.

أيضاً لا يبقى عندهم وفرة، وإنما بشكل عام عندهم دوماً ما يكفيهم، وكذلك ليس عندهم أملاك خاصة، وليس عندهم قائد، من أجل ماذا القائد؟ الحياة تنظم ذاتها بذاتها، والكل يعلم ما عليه وما له، وعند هذه القبائل الكثير من الديمقراطية المتأصلة فيهم، لا أحد يجبر آخر على فعل شيء، ولا حاجة لأي سند، ولا مبرر لذلك، وما من أحد له مزايا خاصة أو مطالب يريدها من الآخرين. كما لا يوجد ابتزاز من أي شكل.

حياة الأسرة آمنة، وبشكل عام يسود في القبيلة نظام الزواج الأحادي وشروط بسيطة للطلاق. هم يتزوجون بالعادة عندما تصبح المرأة حاملاً، ومن ثم يعيش الزوجان العمر كله معاً، إلا عندما لا يريدان المتابعة أو يريدان الانفصال، أو انهما بصراحة لا يريدان الاستمرار في الحياة الزوجية. الناس ليس عندهم أحزان، مع العلم أن مهمة الصيد ليست سهلة، لأنه أحياناً لا تمر الحيوانات البرية، أو قد يحدث القحل بعض السنوات، ولكنهم يثقون إذاً بالغابة التي تؤمنهم بالغذاء.

بالتالي تجدهم بالعموم سعداء جداّ. هذه القبائل هي فعلاً الأصلية، هي فعلاً مجتمع الرفاه، ليس لأنها غنية لهذه الدرجة، ولكن لأنها لا تريد أكثر من ذلك، أكثر مما عندها، وهذا الذي تملكه يكفي من أجل بناء حياة سعيدة وأكثر أمناً.* هؤلاء قلما يعرفون الكراهية لأنهم لم يتأثروا بخطابات الكراهية المنتشرة في أرجاء المعمورة. وفي المقطع المرفق وجهة نظر مفيدة بعنوان ”ما المقصود بخطاب الكراهية“:

*الحب أصل الحياة، إيريش فروم ص 97-99، بتصرف.