آخر تحديث: 21 / 6 / 2024م - 1:01 ص

بين فجاجة الصدقة وبركة الضريبة

منتظر الشيخ

وجدت الضرائب منذ وجود الإنسان، وقد تطور مفهومها بتطور الأنظمة السياسية والاقتصادية والاجتماعية عبر التاريخ، وقد عرفها «جيز» عام 1931 بأنها ”استقطاع نقدي تفرضه السلطة على الأفراد بطريقة نهائية وبلا مقابل بقصد تغطية الأعباء العامة“.

وأكثر ما أثار انتباهي في وصف الضريبة ماكتبه مصطفى محمود في كتابه ”الله والإنسان“ ووصفها بالشيء الواضح الذي يؤخذ بالرضى أو بعصا القانون، تدفع بالذوق أو بال «البوليس»، دفعتني لسؤال زميل مصري عنها عام 2018، حينما لم يكن مفهوم الضريبة واضحا لنا كسعوديين، كيف تعيشون مع الضرائب في مصر؟ فأجابني ”بالبركة“

رفعت حاجبا لأعبر عن دهشة الجواب وغموضه، فسألت كيف يكون ”بالبركة“، فقال انه في مصر يشتري كرت الشحن ب 120 جنيه ومكتوب على البطاقة ان قيمتها 100 جنيه وبعد الكشط والتعبئة يحصل على 70 جنيه، فبرد شعر جلدي من هذه الاعجوبة، فسألته يعني كم تكون الضريبة هناك فقال ”لا ادري“

مصطفى محمود في الباب نفسه كان ينتقد الصدقة باعتبارها حق للفقير يتفق العاقل معه، تطور هذا الحق ليحمل من مستوى تفضل الاغنياء على الفقراء بها، إلى مرحلة اللتي تأخذ من الاغنياء بعصا القانون كحق يؤدى به إلى الفقير

فيجد مصطفى محمود ان الضريبة هي تطور لفجاجة الصدقة، وعدم نضوجها، لتصل إلى الفقراء بصفة حق لا متفضل عليهم فيه من احد.

ولكن يبدو ان هذا الحق لم يغلق هذه الفجوة بين البؤساء والمنعمين، بل زادت البائس بئسا، وزادت المنعم نعيما، وهذا ما يتجلى في وصف صاحبنا الذي وصف المصريين بأنهم يتعايشون مع هذه الضرائب بالبركة.

فالموظف المغلوب على امره، وامام كل هذا التضخم الهائل في الاسواق يعجز في مسائل الطرح والجمع والضرب والقسمة ان يجد حل لميزانية الشهر، وحين تعجز كل العلوم الرياضية عن حل معادلته يستسلم ليعيش بال ”بركة“.

ولا يختلف عاقلان في كون الضريبة حاجة ضرورية، ووسيلة قانونية لغاية تحقيق العدالة الاجتماعية والحد من استغلال الطبقات الرأسمالية للطبقات الفقيرة، نادى بها وأيدها فلاسفة كبار مثل جان جاك روسو، والفرنسي فولتير، والفيلسوف الاقتصادي الاشتراكي كارل ماركس، لغاية منع تراكم الثروة بيد فئة قليلة، وتوزيع الدخل الوطني على أساس عادل بين المواطنين، لكن هل يلتمس الناس وخصوصا الطبقات الوسطى والفقيرة هذه الغايات والمنافع من الضرائب؟

أم أنهم يشعرون أنها زادت فقرهم فقرا، والمزيد من الشقاء لشقائهم؟

ورغم أن الدولة تقوم بعمل يشكر؛ لتخفيف هذه الآثار التي تعصف بالناس هذه الأيام نتيجة هذا التضخم العالمي الهائل، عبر برامج العوائد الضريبية مثل حساب المواطن، أو الضمان الاجتماعي، إلا أن هذه الجهود تحتاج للمزيد من التثقيف، والرقابة الصارمة على الأسواق والتجار والموردين، حتى لا تتحول حياة الناس للعيش «بالبركة» حسب وصف الصديق الشقيق.