آخر تحديث: 24 / 6 / 2024م - 1:51 ص

حفلة تنكرية

كمال بن علي آل محسن *

هل ظهورُ الإنسانِ بوجههِ الحقيقي أفضلَ له من الظهورِ بقناعٍ لا يبرز حقيقته وما بدواخله من قناعاتٍ ومبادئَ وقيمٍ ومُثُل وأفكار ومعتقداتٍ وغيرها؟!

لقد كثرت الأقنعة التي نرتديها ونتقمصها تماشيًا مع المواقف والأشخاص، ونأيًا بالنفس عن لوازم الصراحة ونهاياتها غير السارة على كل مَنْ يحاول أن يفصح عن رأيه في أمور الحياة والمشكلات والأحداث اليومية، فتراه يتزَّيا بقناع تلو قناع، وخزانة عقله زاخرة بمجموعة متنوعة من الأقنعة، وكل قناع له «كتالوج» لطريقة استخدامه ومتى يستخدمه؟!

أصبحت مواجهة الآخرين بالمبادئ الحقة والمثل السليمة والقناعات الشخصية مواجهة فيها الكثير من الخسران المبين، والخصومات التي تؤدي إلى فقدان العلاقات الطيبة مع الناس، حتى وإن كانت تلك المواجهة عادلة ومتوافقة مع العقل والشرع.

كثيرة هي المبررات التي يروج لها البعض من أبناء المجتمع؛ كي يكون كل المجتمع في حفلة تنكرية بعيدة عن القواعد والأصول التي تثبِّت البناء وتقوِّي دعائمه، وكأن المصالح الشخصية هي المحرك وراء ذلك، فنتوجه مجبرين في طريق الزيف والعماية، مع حمل كل تلك الأقنعة الثقيلة على وجوهنا، على أن نغيرها بحسب الحاجة والموقف، فنستبدل قناعًا مكان قناع فيكون هو الصورة المعروضة المرضية أمام الآخرين، والشكل الجمالي الذي يتواءم مع الموقف الذي وُضِعَ فيه.

إنك إن أردت أن تحيا بسلام وطمأنينة فما عليك إلا أن تنحى هذا المنحى وتسلك ذلك الطريق، فهو في غلافه الخارجي هدوء وسعادة وراحة، أما في لبه وأعماقه وجوهره فكله جروح تنزف، وصدمات تسبب السقم، وتدمير واضح للقناعات، وتغيير للعقل، وتغييب للمبادئ الصحيحة، فهل هذا سلام وطمأنينة في الحقيقة أم أنه خداع ومخاتلة نمارسها مع أنفسنا؟!

في الحفلات التنكرية نرتدي أقنعة مختلفة مُشَكّلة، ونصطفي منها القناع الملائم لموضوع الحدث بعناية فائقة بعد بحث سريع في خزانة العقل، ظنا منّا أن هذا القناع سيكون المميز والمختار في تلك الحفلة، ونشعر بأننا في خانة السعداء بما قمنا به، فلا نتعرض لمشكلة أو نقد سلبي جرّاء تحصننا وراء ذلك القناع، ولكن عندما نعود إلى طبيعتنا وواقع حياتنا فهل سنحظى بنفس تلك السعادة التي كنا فيها أم أننا سنمارس صراعات مؤلمة في وجداننا ومع نفوسنا التي ترى بأن ما فعلناه كان عين الخطأ، فنكون نحن وسعادتنا في طريقين مختلفين متباعدين؟!

إجابتنا وَرَدُّنَا على علامة الاستفهام الكبيرة والمتشعبة تلك هي من تحدد لنا البقاء في الحفلة التنكرية أو المغادرة؟!

يقول مصطفى محمود: «أيها السادة، اخلعوا الأقنعة»!