آخر تحديث: 12 / 4 / 2024م - 8:30 ص

عام على الحرب في أوكرانيا

يوسف مكي * صحيفة الخليج الإماراتية

في الرابع والعشرين من فبراير «شباط» عام 2022 أطلقت روسيا عملية عسكرية خاصة ضد أوكرانيا، تسببت في خسارة كبيرة للطرفين بلغت مئات الألوف من القتلى والجرحى، ونتج عنها دمار كبير بالمدن الأوكرانية، شملت العاصمة كييف، وتسببت في أزمة اقتصادية ألقت بظلها على العالم بأسره، ولا يزال أوار الحرب مستعراً، في خط تصاعدي. وليس هناك ما يشي، في الأفق، بقرب انتهاء هذه المأساة.

بدت الحرب، منذ أيامها الأولى، صراعاً بين روسيا الاتحادية والولايات المتحدة وحلفائها في القارة الأوروبية. وقد تمكنت القوات الروسية في الشهور الأولى للحرب، من تحقيق تقدم ملحوظ بالأراضي الأوكرانية، وخاصة في إقليم دونباس، والمناطق التي أعلنت روسيا ضمها إليها. لكن ذلك لم يستمر طويلاً، فقد تمكنت أوكرانيا من دفع تلك القوات إلى الخلف، مدعومة بالسلاح الغربي، الذي بات العامل الحاسم، في قدرتها على الاستمرار في مواجهة القوات الروسية، الأكثر عدة وعدداً.

خلال الأشهر الأربعة المنصرمة، تمكنت القوات الروسية، من استعادة المبادرة، وضخت أسلحة جديدة، متقدمة كماً ونوعاً في جبهات المواجهة، وحققت انتصارات ملحوظة في جبهات القتال. وطيلة العام المنصرم، استعاض المتحاربون بالسلاح، بدلاً من اللجوء إلى طاولة المفاوضات. ولم يبذل الطرفان أي جهد سياسي للتوصل إلى حل سلمي، يضمن إيقاف نزيف الحرب.

الأيام الأخيرة، شهدت طرح مبادرة صينية لإيقاف الحرب، دون التعرض للأزمة وجذورها. وقد قوبلت المبادرة الصينية بالترحاب من روسيا، ورغم أن أوكرانيا اعتبرت المبادرة خطوة إيجابية على طريق التوصل إلى حل سلمي للأزمة، وإيقاف الحرب لكنها تحفظت عليها، كونها لم تنص على انسحاب القوات الروسية من الأراضي الأوكرانية التي تم احتلالها. وقد شاطرتها أمريكا وغالبية الدول الأوروبية، هذا الموقف.

ورغم أن أوكرانيا، هي مسرح هذه الحرب، لكن أهدافها المعلنة، وموقف مختلف الأطراف المنخرطة فيها، تؤكد بما لا يقبل الجدل، أن أسبابها الحقيقية، تتعدى مسرح عملياتها. فكل تلك الأطراف، تتفق على أن نتائج هذه الحرب، ستسهم في تغيير جدري في النظام الدولي الذي انبثق بعد سقوط الحرب الباردة، في مطالع التسعينات من القرن المنصرم، والذي استند على سيادة قطب واحد، هو الولايات المتحدة على صناعة القرارات الأممية.

روسيا، تتوق من خلال تحقيق النصر، على أوكرانيا، إلى صياغة نظام دولي جديد، يستند على التعددية القطبية، وتبرز والصين الشعبية، كقطبين رئيسيين، مع الولايات المتحدة في النظام الدولي المرتقب. ولذلك تعتبر حربها مع أوكرانيا، معركة وجود. في حين تتمسك الولايات المتحدة، وحلفاؤها في الغرب، باستمرار النظام السائد، وحرمان روسيا والصين، من المشاركة في هذا النظام، وتبذل كل ما في وسعها مع حلفائها لمنع روسيا من تحقيق النصر، وتغيير المعادلة السياسية الدولية القائمة. ومن أجل تحقيق هذا الهدف، فُتحت ترسانات الأسلحة، في أمريكا ودول أوروبا الغربية، بكل قوة لدعم الحليف الأوكراني.

الصين الشعبية من جانبها، تؤيد المطلب الروسي، في ضرورة إنهاء احتكار الولايات المتحدة الهيمنة على العالم، وترى في علاقتها الاستراتيجية مع روسيا الاتحادية، ضمانة من أجل تحقيق هذا الهدف، لكنها من جهة أخرى، لا ترغب في أن تغدو مصالحها الاقتصادية مع أمريكا والغرب، عرضة للخطر. ولذلك فإنها تدعم روسيا على استحياء، وبما لا يثير غضب واشنطن وسخطها. ويبدو موقفها هذا منطقياً للغاية، إذا علمنا أن 25 في المئة من صادراتها موجهة للولايات المتحدة وحدها، وأن ميزان التعامل التجاري معها، يفوق تعاملها مع معظم دول العالم. لكن هذا الموقف، لن يستمر طويلاً، خاصة وأن الصين تعمل جاهدة على استعادة جزيرة تايوان للبر الصيني، وذلك ما تعارضه أمريكا وحلفاؤها بقوة.

في ظل هذه الأجواء، يعيش العالم بأسره، عودة لمناخات الحرب الباردة، والعمل على تعدد المحاور. والواضح أن الفريقين المتخاصمين يتجهان نحو ذلك. فأمريكا ومعها الدول الأوروبية واليابان وكوريا الجنوبية، يمثلون محوراً واحداً. وعلى الناصية الأخرى، تقف روسيا والصين وكوريا الشمالية وإيران وجنوب إفريقيا وفنزيلا وكوبا وسوريا. وبين المعسكرين، تقف على مسافات مختلفة، أطراف محايدة، في انتظار حسم الصراع، لتحدد لاحقاً أين يكون موقعها في الصراع المحتدم بين العمالقة، بما يتوافق مع أمنها القومي، ومصالحها الاستراتيجية.

يبدو أن جحيم الحرب، سوف يستمر طيلة هذا العام، إلى أن تنكسر إرادة المنخرطين الرئيسيين فيهأ. والخشية من أن تتطور هذه الأزمة، وتتحول إلى مواجهة عالمية، تمتد ألسنتها إلى بقاع أخرى من العالم، فنكون جميعاً ضحايا كارثة لا تُبقي ولا تذر.