آخر تحديث: 17 / 6 / 2024م - 1:42 م

حتى الهتافات لها أخلاق

أثير السادة *

لا شيء أجمل من أن تنتهي مباراة ­­فريقك الذي تشجع وهو فائز، هذا يعني بالنسبة للمشجع غاية المنى، وقمة البهجة، إلا أنه علينا التذكر بأن كل فوز هو خسارة لطرف آخر، طرف سيتولد عنده شعور بالحسرة والخيبة وفقدان شيئ ما، ففي الوقت الذي يحتفل فيه الفائز بانتصاره سيكون الخاسر يلملم أطراف هزيمته ويمضي باتجاه التفكير في الفرص والمناسبات القادمة.

هذا التباين في المشاعر يفسر التباين في طريقة التفاعل نهاية الحدث، ويفسر طبيعة الكلام الذي ينطلق بعد المباراة مباشرة، سواء في صورة هتافات أو في صورة تصريحات، وهذا ما يفسر طبيعة الحساسية في إدارة تلك المشاعر وذلك الكلام، والتحدي هو في أن نكون أخلاقيين في حزننا وفرحنا على حد سواء.

ما يقال عن أخلاقيات الرياضة، وضرورة احترام الخصوم في أرض الملعب، ينسحب كذلك على المدرجات، على الجمهور الذي يطمع في أن يكون اللاعب الأول في كل مواجهة يخوضها فريقه المفضل، من خلال التشجيع والتحفيز وإثارة الهمة، وإذا كانت الرياضات الجماعية بطبعها تفترض احتكاكا مباشرا بين اللاعبين، واصطداما بينهم، فإن صداما مثله قد يحدث بين الجماهير التي ستشعر بأنها معنية كذلك في الانتصار على جماهير الفريق الآخر، بعلو الصوت تارة، وبالهتافات تارة أخرى، وبرسم لوحة حماسية عن حالة الهيام بالفريق تارة ثالثة.

هذا التأكيد على الأخلاق الرياضية عند الجمهور يفسره تأثير سلوك الجمهور على العلاقة بين الأندية فيما بين بعضها البعض، والذي يمكن أن يمتد ليطال العلاقة بين بلدة وأخرى، وشعب وآخر، لذلك لا يمكن أن نستثني المدرج من المظاهر الأخلاقية للرياضة، والتي هي بالنهاية محصلة لثقافة الناس وسلوكهم وتربيتهم، أي أنها تنتمي إلى الضوابط العامة والتقاليد والأعراف التي يصونها المجتمع ويدافع عنها، وعليه لا يمكن تبرير إطلاق عبارات تمييزية أو تحقيرية تجاه الآخرين، بدعوى أن هنالك ما يشبهها في البيئات الأخرى، أو بدعوى أنها تحتل مساحة كبيرة من مشهد الرياضة هنا أو هناك.

الفائز بطبيعة الحال يميل إلى تمجيد ذاته، وفريقه، وناسه، ومدينته، وهذا مفهوم، إلا أن جعل الاحتفال بالانتصار مناسبة للهجوم على الخصوم، بنحو مباشر، يطال إسم فريقه ورسمه وكذلك مدينته، هو أمر يحتاج إلى وقفة ومراجعة فاحصة لوعينا الرياضي، والتزامنا الأخلاقي، الذهنية المأخوذة بلغة الثأر وهي تحاول تعويض هزائمها السابقة من خلال جعل الآخر مادة للسخرية المباشرة، بحاجة إلى مراقبة وتوجيه وتذكير بأننا معنيون بالتحيز لأخلاقنا لا لأخلاق الآخرين وأساليبهم، أن يبدأ الجمهور الآخر عملية الاستفزاز لا يبرر الانجرار وراء أسلوبه ولغته ومجاراته في خروجه عن الذوق والأخلاق.

للفرح عند الانتصار صور رائعة حتما، كما أن للشجيع لغة فائضة بمشاعر الحب والانتماء، وعلى الجميع أن يستوعب الحزن والفرح من غير الحاجة للتنمر والاستهزاء والتعرض بالكلام السيء عن الآخرين، فلا أحد ينتصر حين تتحول الرياضة إلى ساحة خالية من الأخلاق!.