آخر تحديث: 14 / 6 / 2024م - 2:01 ص

بائعة الورد

جهاد هاشم الهاشم

من خلال ما يرمز له العنوان أعلاه ربما يتبادر إلى ذهن القارئ الموقر أنه ملخص لمحتوى كتاب أو قصة من وحي الخيال، تحكي أحداثًا ما يرمي إليه ذلك المضمون. ولكن في واقع الأمر إنها حادثة حقيقية حدثت من واقعنا المعاش! فقد كنتُ في زيارة لإحدى الدول العربية مؤخرا وكنت بصحبة وضيافة أحد الأصدقاء الإعلاميين، وبعد الانتهاء من الزيارة وما تضمنته من فعاليات كنت قد حضّرتها بدعوة من إحدى الصحف الرسمية في ذلك البلد، وبعدها دعاني بمعية بعض الزملاء لتناول القهوة على ضفاف البحر الجميل، وكان الطقس قد بدأ يبرد جدا في هذا اليوم، بل أصبح في حالة ازدياد شيئا فشيئا لدرجة أننا قررنا قطع تلك الجلسة وملحقاتها، وما نتج عنها من تبادل لأطراف الحوار والعودة لمقر سكني في أحد الفنادق، والذي كان قريبا ومطلا على الواجهة البحرية.

ولكن أثناء الاستعداد ونحن نهم بالوقوف للتوجه والمسير لمركبة مرافقي صاحب الدعوة وفي تلك اللحظات اعترضت طريقنا طفلة صغيرة فائقة الجمال وتحمل على ظهرها سلة مليئة بالورود، وحين حاورتها لبرهة قليلة من الوقت عن عمرها أجابت: بأنها تبلغ من العمر سبع سنوات وهي تساعد أمها في طلب الرزق بامتهانها لهذه المهنة وهي بيع الورود للمارة. كما أخبرتني أيضا أن لديها خمس شقيقات وجميعهم يكبرنها سنا وعند سؤالي عن والدها أصبحت تتحدث بصوت خافت منكسر وقد خنقتها العَبرة وخانتها الكلمات! حتى رأيت عيناها تذرف الدموع بحرقة بالغة حتى باتت في وضع يفطر القلوب من شدة حزنها وبكائها وهي تقول بصوتها البريء: إن أبي قد رحل وفارق الحياة! وكأن لسان حالها يقول إن والدي تركني وأخواتي نشقى ونعمل ليل نهار لكي نستطيع توفير قوت يومنا، لقد ذهب أبي وذهبت معه طفولتي وسعادتي، وأصبحت بلا عائل يعيلني، لقد ذهب سندي وذهب معه كل أملي ومستقبلي، لقد ذهب أبي وسقطت خيمتي وأصبحت من دون ملجأ يأويني ويسترني لقد ذهب أبي وضعفت شوكتي وقلت حيلتي وضاقت بي جميع السبل، لقد ذهب أبي وذهب كل جميل بداخلي لقد ذهب أبي وبدأت تعاستي...

نعم هي مأساة واقعة بالفعل في مجتمعنا ولا نستطيع إنكارها أو إخفائها ولو دققنا النظر في محيطنا القريب لوجدنا الكثير كأمثال تلك الطفلة «بائعة الورد» بل لا نبالغ إن قلنا يوجد من هم أكثر معاناة منها وهي واضحة وجلية بين أنظارنا ومسامعنا؛ ولكن نحن أصبنا مع الأسف الشديد بتبلد مشاعرنا وخمول في أحاسيسنا وقِلة شيمنا وضِعف نخوتنا! بل والكثير منا لا يكترث بأمور عدة تحمل في أعماقها أبعادا ومبادئ وقيم إنسانية وأخلاقية جمة.

نحن نحتاج أن ننفض غبار تلك الغشاوة الخاطئة التي هي جاثمة على صدورنا والتي بدورها بَنت حاجزا عميقا وكبيرا يحول بيننا وبين سمو أخلاقنا وفاضل تربيتنا وحسن سلوكنا. وبما أننا على أعتاب شهر الله المعظم، شهر اختصه البارئ بخصائص لا مثيل لها من عظيم الثواب وجزيل العطايا، شهر هو عند الله من أفضل الشهور شهر تلاوة القرآن، شهر الصلوات والصدقات شهر الرحمة والغفران شهر تتضاعف فيه الحسنات وتُمحى السيئات.

ولكن فيه ممن هم يجهلون عظيم الثواب بالإقدام على العمل الاجتماعي الذي فيه منافع للناس لا يقل أهمية من حيث التقرب إلى الله - سبحانه وتعالى - من خلال السعي لقضاء ما يلزم قضاؤه من حوائج ذوي القربى والمحرومين والمحتاجين واليتامى وضعفاء الحال من المؤمنين إخوة وأخوات. فتحمُل المسؤولية حيال ذلك من الواجبات الشرعية والأخلاقية والإنسانية من الفرد تجاه مجتمعه وذويه.

وهناك الكثير من الذين يعيشون حولنا وبيننا لا يقلون مأساة ومعاناة وحرمان عن تلك الفتاة الصغيرة المسكينة الضعيفة التي تعمل منذ نعومَة أظافرها مجبرة ليست برغبتها ولا إرادتها، متجرعة مرارة هذه الحياة القاسية. إذا للجميع رجالا ونساء نقول نحن مسؤولون جميعا أمام الله - سبحانه وتعالى - بما يتعلق «بالتكافل المجتمعي» وتنمية مشاعرنا وتصويبها نحو هذه الفئة البائسة المثقلة بهموم الدنيا المتعاظمة، والعمل على إزالتها ومحوها باتباع الطريق الذي جاء به الحق تبارك في علاه بقوله: ﴿وَأَقِيمُوا الصَّلَاةَ وَآتُوا الزَّكَاةَ وَمَا تُقَدِّمُوا لِأَنْفُسِكُمْ مِنْ خَيْرٍ تَجِدُوهُ عِنْدَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بِمَا تَعْمَلُونَ بَصِيرٌ. «سورة البقرة الآية 110».

وقوله تعالى: ﴿فَأَمَّا مَنْ أَعْطَى وَاتَّقَى * وَصَدَّقَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْيُسْرَى * وَأَمَّا مَنْ بَخِلَ وَاسْتَغْنَى * وَكَذَّبَ بِالْحُسْنَى * فَسَنُيَسِّرُهُ لِلْعُسْرَى «سورة الليل 5 - 10».

نحن نسرف ونبذر بشكل مبالغ فيه! حتى كاد مانبذره من المأكل والمشرب في شهر رمضان المبارك يفوق كل التصورات، بل نشاهد جميعنا الأسواق ممتلئة على أشدها لجلب الكثير من المواد الغذائية وكأن ما نراه يوحي أننا مقبلين على مجاعة ستحل بنا! لذلك نشاهد مبالغة عالية في شراء تلك المواد وفي نهاية اليوم تصبح القمامات - أجلكم الله - عند أبواب البيوت ممتلئة بما تبقى من هذا البذخ! فهل ذلك العمل أيها المؤمنون يجلب رضى الرب!؟ الجواب لكم أحبتي. فماذا لو خصصنا جزءا يسيرا من تلك المصروفات ودُفعت للجمعيات الخيرية الموقرة لمساعدة متعبي الحال.

إذا لا أجمل ولا أفضل ولا أرقى من الاندماج والقرب ممن هم محتاجون لنظرة تملؤها رحمة، وسلوكٌ كله شفقة ومحبة، ومد يد العون لأناس يصارعون مرارة تلك الحياة وما تختزله من ضيق الحال؛ لننعم بطمأنينة النفس وسكينة الضمير، ونصل في نهاية المطاف لتحقيق ما أمر به الحق - جلت قدرته - من تكافل اجتماعي والشعور بمعاناة الآخرين لنُصيب سعادة الدارين بإذنه تعالى.