آخر تحديث: 22 / 6 / 2024م - 1:39 ص

هذا ما تعلمته من طلاقي

الدكتور جاسم المطوع *

غالبا عندما استمع لمن يشتكي عن تجربته ومعاناته للطلاق أحاول بعد الاستماع أن أطرح عليه سؤالا واحدا، وهو «ما الذي تعلمته من تجربة الانفصال؟»، فكان بعضهم يستغرب من سؤالي، إلا أنه بعد النقاش والحوار معهم يشعروا باطمئنان وراحة نفسية، وخاصة بعدما يتأملوا الجوانب الخيرية في هذا الحدث، حتى قال لي أحدهم يوما مازحا: «جعلتني أرى الانفصال من نعم الله علي»، فقلت له: نحن لا نشجع على الطلاق ولا نريد أن نزين لك الانفصال، ولكن لو حصل الطلاق لأمر ما، فلا بد من أن نكون إيجابيين في التعامل معه، وقد جمعت بهذا المقال إجابات المطلقين عندما وجهت إليهم سؤالي عما تعلموه من تجربة الطلاق، وقد تكون بعض الإجابات غريبة ولكنها زاوية في التفكير والنظر لا بد أن ننظر من خلالها حتى نرى المحن منح، ونري الابتلاء باب للخير قد فتح لنا

وسأترككم الآن مع كلام المطلقين فيما تعلموه من تجربة الطلاق، قال الأول: أنا تعلمت من طلاقي أن أتحمل مسؤولية قراراتي في الحياة ولا أعتمد على غيري في تحمل مسؤولية قراراتي، وقال الثاني: أنا تعلمت أن لا أستغني عن أهلي حتى لو كنت سعيدا في زواجي وعائلتي، وقال الثالث: أنا تعلمت أن أضع أملي في الله أكثر من أن أضعه لدى الناس ولو كانوا قريبين مني، وقالت الرابعة: أنا تعلمت أن أبنائي عندما يبتعدون عن أبيهم يتربون تربية أفضل، لأنه كان مصدر خوف ورعب وعدم أمان واستقرار لهم فلما انفصلنا شعروا بالأمن والأمان، وقالت الخامسة: أنا تعلمت كيف أتعامل مع مشاعر الناس التي تنظر لي بخوف وترقب وكأني أحمل مرض معدي، فهم يخافون مني ويرتابون من أخلاقي ويتعاملون معي بحذر وأحيانا بعض الزوجات يخشون أن أخطف أزواجهم، وقال السادس: أنا تعلمت أن الدنيا متقلبة، وأنها ليست دار قرار وأمان وإنما القرار والاستقرار في الآخرة،

وقال السابع: أنا تعلمت كيف أتعامل مع مشاعر الغضب والكراهية التي شعرت بها لحظة الطلاق، وقال الثامن: أنا تعلمت أن لدي قدرات ومواهب ممتازة لأني لم أكتشف نفسي إلا بعد الطلاق، وقد استثمرت نفسي بعمل مشاريع وبرامج تحقق ذاتي وأخدم مجتمعي، وقال التاسع: أنا تعلمت أن المحن التي يمر بها الإنسان يتعرف فيها على أصدقائه المخلصين أو الذين يركضون وراء مصالحهم، وقال العاشر: أنا تعلمت أن أركز على أعمال ومشاريع في حياتي تفيدني في آخرتي، فقد كنت منشغلا بالدنيا كثيرا والطلاق جعلني أعيد أوراق حياتي، وقال الحادي عشر: أنا تعلمت الصبر والمصابرة ومجاهدة النفس والتحكم بالذات، وكان الانفصال فرصة لي لقراءة كتب تهذيب النفس والدخول في دورات تنمية الذات والنفس،

وقال الثاني عشر: أنا تعلمت كيف أرشد غيري وخاصة الذين يمرون بنفس تجربتي، حتى صرت مصدرا لإسعاد الآخرين، وقال الثالث عشر: أنا تعلمت كيف أرتب حياتي وأهدافي وأهتم بصحتي وعقلي وعلاقاتي، وقد تابعت تعليمي بعد الطلاق والآن في طريقي للحصول على الدكتوراه، وقال الرابع عشر: أنا تعلمت أن بعض العلاقات لا بد وأن يكون لها تاريخ نهاية إلا علاقتنا بالله تعالى، وقال الخامس عشر: أنا كنت أعيش بأحلام وخيال دنيوية، وبعد الطلاق تعلمت أن الحياة الحقيقية ليست هذه التي كنت أراها، فقويت علاقتي بربي وبدأت أتعمق بالدين أكثر وشعرت براحة وأنس بالقرب من الله تعالى

فهذه كانت إجابات المطلقين بعدما فاجأتهم بسؤالي عن الذي تعلموه من وراء هذا الحدث، وكانوا في البداية لا ينظرون لأي خير أو بصيص أمل في الحدث، وينظرون للطلاق وكأنه نهاية العالم، إلا أن هذا السؤال المفاجئ غير نظرتهم للانفصال وصاروا يرون الجانب الخيري فيه، ولهذا قال رسولنا الكريم «عَجَبًا لأمرِ المؤمنِ إِنَّ أمْرَه كُلَّهُ لهُ خَيرٌ، وليسَ ذلكَ لأحَدٍ إلا للمُؤْمنِ، إِنْ أصَابتهُ سَرَّاءُ شَكَرَ فكانتْ خَيرًا لهُ، وإنْ أصَابتهُ ضَرَّاءُ صَبرَ فكانتْ خَيرًا لهُ»، فهذا ما يمتاز به المؤمن فهو يمتلك النظرة الإيجابية في الحدث المؤلم، ويمتلك النظرة التفاؤلية في الحدث المحزن، ويمتلك النظرة الخيرية في الحدث المتشائم، حتى لو كان الحدث هذا في ظاهره طلاق وانفصال وتفكك أسرة فقد يكون في باطنه خير كثير، وأعرف امرأة كانت مكتئبة بسبب طلاقها وكنت أحاول أوجه نظرها للخيرية في الطلاق ولكنها رفضت هذا المنطق، وتمر الأيام فتكتشف الخير كله عندما علمت أن طليقها كان تاجرا للمخدرات فصرف الله عنها وعن أولادها السوء، ومع ذلك كله هي أكملت تعليمها وحصلت على شهادات عليا وقد أكرمها الله بزوج طيب وخلوق ومتدين تزوجها بعدما تجاوز عمرها الأربعين عاما، ثم جاءتني مرة أخرى وقالت: نعم إن الطلاق كان خيرا لي

فأحداث الحياة تحتاج لنفس مطمئنة ونفسية متفائلة، وأفضل تكنيك للتعامل مع القدر الذي يعلمنا أن ندفعه بقدر آخر يفرحنا، مثلما قال ابن القيم رحمه الله في دفع القدر بالقدر «مثل دفع العدو بقتاله، ودفع قدر المرض بقدر التداوي، ودفع قدر الذنب بقدر التوبة، ودفع قدر الإساءة بقدر الإحسان» وكذلك دفع قدر وقوع الطلاق بقدرالإنطلاقة بعده، ورؤية إيجابياته واستثمار حسناته