آخر تحديث: 22 / 6 / 2024م - 1:39 ص

تجدد ذكريات السعادة ”حدث وحديث“ 7

عبد الله أمان

لا أَحد منا ينسى وينكر فيض مشاعر وأَحاسيس السعادة، السائدة الرائدة، في أَسمى وأَبهى خضم سِني مرحلة الطفولة السعيدة، بتمام قضها وقضيضها، مِن دوام زهو الأَفراح، واستمرار متعة الانشراح… ويكاد ريع عطاء ونقاء أَثرها الثابت الراكز، يماثل ويشاكل حبات السكر الذائبة المحلاة المضافة، إِلى خليط طعم المربى المحفوظ، بعد إضافة ما يحتاج إِليه، في مراحل إِعداده وتصنيعه، مِن مواد حافظة، وأُخرى محسَّنة؛ للحفاظ الثابت على جذب الطعم المعتاد، والبقاء المقبول على مذاق لُب النكهة المألوفة المعروفة، مظهرًا ومخبرًا، بدقة مقاييس محددة مقنَّنة، لحاستي الذوق والشم المميزتين!

وتتوافد وتتوارد هناك الكثير والمثير مِن المواقف المعتادة في لُباب، صَميم وعَميم، أَندى ”كورسات“ حياتنا الشاملة المتصِّرمة، التي تشعرنا زهوًا باستمرارية الانشراح؛ وتغمرنا انجذابْا بدوام السعادة وتجددها، في قامات وجباه أَنجالنا وأَحفادنا البَرَرَة، بغض النظر عن طول مدة ديمومتها المتاحة المانحة لأنواط الأُنس؛ والباذلة الهادية لأَوسمة الأُلفة، في سط غَمرة وغَزارة، مِن نفائس فنون وثقافة الضيافة، لمجتمع جَواد مِعطاء، يهيئ ويلبي لطالبي تلك المشاعر الحبلى الجذلى؛ ويهدي ويسدي كريم البذل والعطاء؛ ويبسط ويغدق نعيم السخاء والوفاء؛ ويقدِّم بأربحية جزيل الحفظ والحماية؛ ويمد بدماثة أَسمى مراسم الترحاب، وسابغ الرعاية؛ ويمنح رائق السماحة، وفائق العناية؛ ويفرش، بجود تنويله الكريم، ونيالة سجيته الضافية أَواصر التكافل والتضامن والتراحم، للجميع، على بسط الابتهاج؛ ويمنحهم امتلاك الحظ الأَوفر مِن أَنصع أَكاليل، وقمم تيجان الانشراح؛ ويهبهم اقتناء القسط الأَكثر مِن فيض أَنفاس الارتياح؛ ويقاسمهم بعطاء مُجزٍ، وأَريحية سَمحة مِن نصيب الظفر المؤزر، باختيار حرية الغبطة الذاتية؛ ويهديهم مفاتيح السرور الدائم، قلبًا وقالبًا… ذلك الديدن المتبع، والمنهج السائد مِن التسنُّم والتصعُّد السائدين الرافدين هو منبع ومنهل سفط مِسك، وحافظة عِطر المجتمع المتجانس المتماسك برمته، الضارب بأَصالة جذوره، عُمقًا ورُسوخًا وعَراقة، لا بد له مِن إِثبات أَصالة التجذر، وولوج روح التجدد، وتناسخ رشاقة التحور لاحقًا، بلِباس وحُلة عصريتين قشيبتين!

وهناك، في حلقات سلسلة مراحل حياتنا المتعاقبة، تتنامى وتتسامى، قطيف ولفيف، ريع المواقف واللحظات الممتعة، التي تسبغ علينا بربيع ذكراها العطرة؛ وتشعرنا بدفء سعادتنا الغامرة؛ وتقودنا سعيًا مهرولًا إِلى أجواء ومرافئ ومراقي الفرح المبهج؛ وتوصلنا طوعًا دافعًا، إِلى أَفنية العز المبهر؛ وتصافحنا وُدًا وصَبابة، عند أَعتاب رَدهات السرور الساطع الماتع… تلك الأَجواء ”الخاطرة الماطرة“ بكليتها، وما جاورها وناظرها، لا مَناص، ولا مَفر لنا مِن مُعايشتها، وموآنستها واستحضارها مرارًا وتكرارًا، مِن جيب أَقاصي نواصي الذاكرة، بعد أَن تدلف وتنقضي أَمتع وأَطرب ساعاتها الجذابة الخلابة؛ وتتلاشى أَصداؤها المدوية؛ وتتوارى جانبًا، بقالبها الخام، عن رصد وصيد، أقوى عدسات، أَنظارها المتلاحقة الوثابة... عندئذٍ، يبقى ”أُلبُوم“ صور ذكراها، الماتعة الرائعة، ساكنًا مستوطنًا، في جوف أعماق تلافيف الذاكرة! … وعند أَركان وزوايا غُرَف ”تحميضها“ المظلمة، نصمت مأسورين؛ ونتأَمل مسحورين؛ ونشرئب، بأعناقنا الندية، منصتين ومتابعين لحزم أَصناف وباقات أَطياف سيل تلك ”الفلاشات“ المتناثرة المتتابعة؛ ونواظب، بشغف ولهفة، على تقصِّي وتتبُّع أَصداء وأَشلاء كامل الصور الخاطفة المتناقزة، التي تبحث بتِيهٍ وضَياعٍ، هائمة باحثة، عن مقدمة بيان، وديباجة إِعلان؛ وتفتش، مسعورة ممسوسة، عن إطار وعنوان، ثابتين مقروءين، يؤطران فورة ونفرة خاطرة عطِرة نضِرة، مرت ونفذت، كالسهم المارق، بأَرق رشاقة، وأَندى لياقة، كمر سحابة، بيضاء قمراء، تمشي الهوينى على استحياء وخجل، لا ريث يثنيها، ولامهل يقعدها، ولا عجل!

ولعلي هنا، أُفلح وأَنجح بامتياز طامح، في استطراد واستدراج بعض مَواكب المواقف الحاسمة الحازمة؛ وعساني هنا، أَنال منها بصِلة مُجزية؛ وأَحظى في ظلها بإِيماءة قبول راضية؛ وأَطرب ولهانًا في كنفها بموافقة رضا شافية، مِن لدن سماحة القارئ الكريم على استحسان بَعضها، أو جُلها، قبل أَن تحين ساعة الاستعداد الوشيك للعوم المتأنق، ثم الغوص المحترف، في أعماق خضم لجتها المنتظرة!

ولعل مرحلة الطفولة البريئة الوادعة، تنفرد بنصيب الأَسد، مِن أجمل وأَمتع الذكريات الندية، كريمة المَحتِد، ونبيلة المَورِد، وشريفة المَولِد، التي لا ينضب رِفدها، ولا يخبو بَريقها، مِن مدٍ وشدٍ ومطٍ، في أمتع سِني المراحل التالية… ولا ضَير في تأَلق وتلألؤ أَصدائها طوعًا - ودون سابق استئذان - في جوف مسلسلاث أَحلامنا الليلية، ومثلها في لفيف غمرة أَحلام يقظتنا اليومية… ترافق وتسابق تباشيرها الناعمة استكشاف مواكب السعادة، واستجلاء قوافل زهو مسيرة ”كارنيفال“ تلك الذكربات العطرة النضرة، لتهدينا صوتًا رخيمًا، وصورةً ملونةً، ثلاثية الأَبعاد، بتوقيت زمانها، وحيز مكانها المحددين الموثقين، برائع بث حي مباشر، وجودة إِخراج مثابر، وكأَننا نشاهد ونتابع مسلسلًا وثائقيًا ”متلفزًا“، على شاشة المرناء… تلك الذكربات الرشيقة النشطة التي أَلِفناها وعشنا، حُلوها ومُرها، رَدَحًا، بنقاء أَرومة، وصفاء مُروءة، في أَوج مرحلة الشباب، وبلوغ فترة الفتوة، ما تزال تخفق ”حية تُرزق“ شاخصة - ببثها الحي المباشر - أمام الأَنظار بجناحيها الضاربين الخافقين، فسبحان الله الخالق الجبار، الذي أودع في جوف خيالية أَدمغتنا أَسرار تلك التلفزة الدقيقة الحية، دون أَن نطلب أَو نختار…!

هذا، وعودًا حميدًا إِلى مشارف مواكب الذكربات السعيدة، ومثلها حُشود أَندادها البغيضة، على حدٍ سواء؛ وفي متسع ميادين تلك الصعدان، وفي أَجوائها الساخنة الحميمة، لن أنفرد لوحدي شططًا، وأَهِمَّ باستعادة زخم بريق فلاشات المواقف الحرجة عرضًا؛ وأَلهو بتشغيل حِزم الأَقراص المرنة؛ وتدوير إبر أَذرعة الإسطوانات الصوتية؛ وضغط أَزرار أَشرطة ”كاسيتات“ أصيل وأَثيل الذكريات الماضية المكتظة أكداسًا وأَحداثًا متراكمة خطوة، خطوة، مختومة بالبث الحي المتلفز المباشر بوجهيه: الأَسود والأَبيض؛ وتاليه الملون، بسابق وسالف شِقي الذكريات المؤثرة النابضة؛ فهناك مخزون ومكنون حاضران وافران مِن هَمر وهَطل وسَيل مِن تدفق زخم الذكريات المنسابة، بحرية مطلقة؛ أَذكر منها، وأسمِّي تباعًا، ما يخطر ببالي ”بمحتشدٍ ووافدٍ“ مِن طيات حبلى تتزاحم تواردًا نَشِطًا، بصلابة قوائمها الثبت الماثلة؛ وتتباهى بزخم أَرصدتها المفرحة المبهجة؛ والمؤلمة البغيضة معًا، على حدٍ سواء: ذكريات فقد شخوص ورؤوس الأحبة والخلان، وأَخص بالذكر هنا، مَقام الوالدين الحانيين، وجُمعة وأُلفة الأشقاء المتحابين، ورفقة وصحبة الأصدقاء الأَوفياء… ومن قائمة أَحدات الذكريات المثيرة الأَخاذة: السفر - في رحلات مكوكية عصرية - وشد الرحال إلى الديار المقدسة، لأداء مناسك الحج والعمرة، والارتحال إلى سائر الأَمصار والبلدان، للسياحة والاستجمام والدراسة؛ والتنقل الحر السلس بين مخثلف القارات؛ ولقاء ومعرفة ثلة مِن أَفاضل الشخوص المحترمة… ومتعة ساعات وأَيام الخطوبة، ومراسم حفل الزفاف، واستعدادات ليلة الدُّخلة، وأَيام شهر العسل... وهناك ليلة لا أكاد أَنساها، وهي ليلة التخرج في الجامعة، حيث حالفني الحظ أَن درست، وتخرجت في إحدى الجامعات الأَمريكية… وفي أمسية حَميمة سَاخنة، حيث أُعِدَّت مراسيم الترتيبات المثيرة، لإِحياء حفل التخرج المثير، يتقدمها المشي المتأنق المتئد في أَجمل جمع مواكب رشيقة، وأَوسم حشود وصفوف منظمة، في متسع رَدهات أَجواء قاعة مراسم التخرج الجاذبة الحميمة، وقد زانتها الأضواء الشاعرية الهادئة؛ وزوقتها صفوف كوكبات ”ملائكية“ المَظهَر والمَخبَر، و”نبراسية“ الهَوَى والمَعبَر، وإنسانية المُبتغى والمَصدَر، مِن زمر وحشود وجموع الخريجين والخريجات الفتية النضرة، تحرسهم وتغمرهم قلوب مُطمئنة، تنبض بالهمة؛ وتوآزرهم وتساندهم خُطى تنضح بالعزيمة؛ وتصافحهم وتحيِّهم هِمم شماء، ترنو برشاقة أَريحية؛ وتهفو بعلو شهامة؛ للوصول، المتائق المتطلع، إِلى سَنا برق قِمم وذُرَى العلياء الشامخة؛ تساندهم وتعاضدهم إِشراقات وإِطلالات جمة؛ وتعلو وتكسو صِهاء جِباههم الوضاءة أَحلام الصِّبا الوردية، وأُكداس الأَماني البهية؛ وتثير وتنير سطوع نواصيهم المشرقة النورانية، بشاشة التطلع إِلى سُدة المستقبل الزاهر المرتقب؛ وتضيؤها وتزينها همم استشفاف، وعزائم استشراف خبايا الكفاح المعتبر المنتظر، بحزم وعزم، إِلى حُنو مراقي، وسخونة أحضان شواطئ مستقبل نضر مبهج باهر، بإِذن مشيئة القادر الظاهر…!

وهكذا تظلنا وتكللنا سحائب الذكريات الماضية، باستقطاع حصصها الوافرة، واستكمال أَنصبتها المجزية؛ وتستوفي منا - طوعًا أَو كرهًا - أَقساطها الباهظة المستحقة، مِن محافظ وأسفاط سِني أَعمارنا الواعدة بكمال الوفاء، وتمام السداد؛ وحينئذٍ، لا نتأخر، أو نتوانى عن مبادرتها واحتضانها بكورس يقظ نشط، مِن أصول الريادة، وكرم الرفادة؛ ونقايض أَترابها الحِسان احتفالًا وحفاوةً، بأَريحية ذاتية، مُكللة مُزينة، برسميات حسن الاستقبال، ومصانة بأَخلاقيات الضيافة الأَصيلة؛ ونعانقها تشريفًا وتكريمًا بمنهج، كامل شامل، بمهام وفنيات مِن أَرقى قِرَاء الضيف المتوارث الأصيل، وشطر وافر مِن ممارسات مِن نبالة الجُود الأَثيل، ونبع زاخر مِن زخم الضيافة الفاخرة الفارهة، مَن أسمى وأنمى وأَزكى مراسم الاستقبال الذاتي المتأصل، بكامل أَجتهاد، وتمام دماثة، وناعم مُلاقاة… وقد أَخذت منا، محافظ أحلى وأمتع الذكريات الدسِمة الحاضِرة، معظم سني حياتنا؛ وحازت على جُل جزئيات أُصولنا الثابتة؛ ونالت سائر، ريعان وعنفوان، ممتلكاتنا الحاضرة والمدَّخرة، قلبًا وقالبًا..!

هذا، ولن أتقمص، بجفاء وصمت، موقف المتفرج الساذج، أمام الوقوف الأَخرس، بجانب حلبة الصراع السِّجال الشرس المتردد، بين زَحمة أَكوام، وحِزم الذكريات السعيدة البهيجة، ولفيف فريق نقائضها: الذكريات المؤلمة البغيضة، بل سأَتخذ، بعزيمة لن تَخور؛ وأَلتزم بوقفة لن تَمور، موقف اللبيب الأَريب؛ وأَنتحل دور المقاتل الصنديد، بشجاعة وحماسة، بجَولات التصدي الحازمة؛ وصَولات التحدي العارمة؛ وحَملات التصفية العازمة؛ لهزيمة ووأد فلول حَفدة وأَنداد الذكريات البغيضة، رَغبة وبُغية طامحتين، بحكمة وشكيمة، حتى لا تقوم لها قائمة منافسة تُذكر، في عَنان أجواء فَساحة ورَحابة الانشراح الدائم، وعَرَصات، وبِقاع مُتسع الانفتاح الصادق، مع مبادرة صدوق ودود؛ لتسوية بنود وعقود هُدنة مُصالحة نوعية مُثلى، مع جانبي صُدغي حِدة التصارع القائم الحاسم، وجادتي شِدة التناحر الثنايي المتفرِّد، باشتعال واستعار دائمين دائبين، بين ضَفتي فَساحة ووَساعة القطبين المتجاذبين الشاخصين، بتحدٍ صارمٍ، ومواجهةٍ حاسمة، ولكنةٍ مُعاداة صَلداء قاسية، قلما تعرف رِقة الرحمة، أَوتنصاع إلى مَسحة الشفقة، لتُأَجج طرفي قطبي النزاع المتناظرين: الإِنسان والزمن… ولله في خلقه شؤون!