آخر تحديث: 21 / 6 / 2024م - 1:01 ص

ضجيج الأبراج الفلكية

ليلى الزاهر *

قريبًا سوف يقفل هذا العام أبوابه، ومع رحيله يفتح المنجمون دفاترهم، يحللون الحظ، يرسمون خطوط أبراجهم الفلكيّة.

أصدّقت أم كذّبت أقاويلهم فهم ينصبون شباكهم من خلال تخميناتهم التي قد تخيب أو قد تُصيب. وبين هذا وذاك هناك أمل يطرق أبواب السماء وهناك صوت يعلو فيردد: ﴿قُلْ مَنْ يَرْزُقُكُمْ مِنَ السَّماءِ وَ الْأَرْض.

هو ‏استثناء لمن يخلط الأكاذيب بافتراضات ⁧المنجمين.

مما لا شك فيه أنّ للمنجمين سطوة تُهيمن على العقول إبّان كلّ عام حيث يلجأ إليهم الناس بدافع التّطفل على الغيب وكشف أوراق المستقبل خاصة أولئك الغرقى الذين أذاقتهم الحياة مرارة الألم وأشبعهم الحزن لطما، أو أولئك الناس الذين يتبعون فضولهم لمعرفة كلّ جديد ويطمحون للأفضل، وما حيلة المضطر غير الخيال؟!!

وفي كلّ عام وأنا أتصفح الأبراج وأرى الأكثر حظّا في العمل والزواج والصحة يخالجني شعور السخرية لأنني صدقتهم مرارًا، غير أنني ما ألبث أن أُمتع نفسي بمخزون كبير من الرضا والقناعة بأيّ حال من الأحوال ثمّ أتذكر قول السيدة الزهراء سلام الله عليها: «وأنار في التفكير معقولها».

وكم حاولتُ أن أُعطي عقلي مساحة أفسحُ فيها عن الحديث عن مطر نيسان وعن تحركات الكواكب وأثرها على حياة الإنسان لكنني في النهاية أرى ذلك من باب التسلية فقط لا غير.

أعرف تماما أن التنجيم يُقدّم روايات قد تحدث أو قد لا تحدث لأن أصحابه يفتقدون المنهجية العلمية فيتنبؤون بأحداث كثيرة جدا قد يتحقق بعض ٌمنها أو قد لايتحقق مثل إنسانٍ لديه الحاسة السادسة فيُخمن أحداثا يتحقق واحد على الأقل منها ويُخطئ بعضها فتسلك طريق الانهزام.

والمُنجّم لا يتمكّن من صنعته جيدا إلّا بعد تمكنه من علوم متعددة في مقدمتها علم الأعداد والحساب وهذا ما أشار إليه العالم الفلكي البيروني في كتابه «التفهيم لأوائل صناعة التّنجيم».

أما من منظور ديني فإنّ محاولة تفسير مفهوم القدر أراه واضحًا على مسرح حياة البشر مُجسدا في قوله ﷺ: «الدعاء يرد القضاء وقد أبرم إبرامًا».

وألمسُ أثره عند الكثير من المؤمنين وخاصة في حالة الثبات على الطاعة ومداومة ذكر معين لمدة معلومة، كما أنّ المداومة على الأعمال الصالحة والتوجّه لله تعالى بالدعاء يغير مجرى حياتنا، خاصة عندما يستمر الإنسان على ورد معين، وقد ثبت عن الرسول الكريم أنّه إذا عمل عملا أثبته أي لم يقطعه.

وإذا كان المنجمون فطنوا للعلاقة القائمة بين الكواكب وتأثيرها على الإنسان ثمّ ساروا في طرق المبالغة والاختلاق فإن الإسلام سبقهم لمعرفة تلك العلاقة.

إذ أكّد الإسلام على استحباب صيام أيام البيض وهي الأيام التي يكتمل فيها القمر.

ونحن ندرك علاقة الإنسان بالقمر وتأثيره عليه من خلال علاقته بحركتي المدّ والجزر التي يتحكم بها، إذ من المعروف أن جسم الإنسان يحتوي على 70‎%‎ من الماء لذلك كان للقمر تأثيره البالغ على الإنسان وكان للصيام الدور البارز في تحقيق هدوء الإنسان وراحته النفسية.

وفي معزل عن ضجيج الأبراج الفلكية لا يوجد أعظم من لذّة تغيير القضاء بدعاء يصل لعرش الله تعالى قد استوفى جميع شروط التّوجه المطلق لله تعالى.

يقول الإمام الصادق : «من تقدّم في الدعاء اُستجيب له إذا نزل به البلاء، وقالت الملائكة: صوت معروف ولم يحجب عن السماء. ومن لم يتقدم في الدعاء لم يُستجب له إذا نزل به البلاء وقالت الملائكة: إن هذا الصوت لا نعرفه».

ولن ننسى صوت أمير المؤمنين وسيد البلغاء في مناجاته الشعبانية وهو يقول: «إلهي هبْ لي كمال الانقطاع إليك».

كلنّا نطرق أبواب الدعاء ولحكمة بالغة قابعة في ملكوت الله يُستجاب لنا أو تؤجّل استجابة دعائنا لوقت معلوم عند الله، ولحكمة أيضا نرى آثار الدعاء ماثلة أمامنا في الآخرة.

وكياسة المؤمن تتطلب منه عدم اليأس وحسن الظن بالله تعالى فهي عنوان الرضا والقناعة في قلب كل مؤمن وبين صلاة ودعاء تجد الاطمئنان والسكينة وانشراح الصدر مالا تجده عند أي مُنجّم فلكي.

وما زال الأملُ يداعبُ أحاديثنا الذاتية، ويحملُ لنا كلُّ صباحٍ أقاصيص مُلهِمة نقرأ فيها قصّةَ هروب الظلامِ من جيوش النور.

وتُفسّر أُحجية غرامي بالشمس الحانية بالدفء والتي تخبرنا بانبثاق آمال عرضها السماء والأرض، ‏وربّما تسللت خُيوط الشمس الذّهبيّة نحو ظلام اللحْد المهجور فكانت فاتحة الكتاب التي تنشر الهدوء وتقطع صمت الموتى.

ومع كلِّ رشفةِ قهوة غربال جديد يخرجنا من ثقوب سبات النظرة التشاؤمية التي تسكن بعضا منّا.