آخر تحديث: 19 / 6 / 2024م - 9:01 م

القَنَابِلُ العُنقُودِيَّة

عبد الله أمان

لَن أتكلم هُنا عن تاريخ استهلال، وبداية استخدام القنابل العُنقودية المعروفة في الحُرُوب المُدمِّرة لحياة الإِنسان؛ والمُخرِّبة لمظاهر البيئة، على حَدٍ سواء؛ ولن أَدنو قُدُمًا مِن أَركان خريطة تفاصيلها الفيزيائية التركيبية البنائية؛ أَو استعرض مُستغرقًا، بالشرح الدقيق، والتعريف المُفصَّل، طرائق صُنع ذَخيرتها الحية؛ أُو نشر أَو نثر لساعةٍ، مُبرِّرات ودَواعي استخدامها الجائرة الباغية، في هَجمة القَصف الجوي المُمَنهج؛ لإحداث مَوجة مُفزِعة مِن رُقعة الدمار الشامل لمُحيط البُقعة الأَرضية المأهُولة المُستهدفة… ولكني هنا، سأَعكِس وأَحرِف جَوهر المَسار الفيزيائي ”التكتيكي“ الهادِر للقنابل العنقودية المادية المُنهمرة، والمُندفعة أَسرابًا مُؤتلفة كالطيور المُهاجرة، بحِنكة وحِكمة؛ وأُقايضه ”اتفاقًا ومُصالحةً“ بالأُسلوب المَجازي الدلالي؛ وأُخاطِب، بوَداعة وحِلم صَادقين، لُبَّ الوِجدان البشري الشاطِح برمَّته، لصَانعها، وقَاذِفها، ومُستخدِمها معًا، بِما يحوي نتاج تراكمات ”ذخيرة فكرهم المُستحوِذ المُتبلِّد“ مِن مَصير مَغبة هَجمة هَمجية بَربَرية؛ بِمَا يمتلكونه مِن مدِّ أَرتال مِن رؤوس ”قنابل فِكرية“ دفاعية مُماثلة، يشهرونها قُدمًا أَنَّى شاؤوا، في وْجوه الآخرين، وفي سَكِنَاتهم! بما يدَّخِرونه في عُقر جُعبة فِكرهم الضال المُتطرف، مِن مَشاعر سَلبية، أَو نَزعات وَحشية، أو صَرعات هَمجية عَقيمة… تَرقى في جَوف غَرائرها الحُبلى المُتخمة، غَيضًا وحَنقًا، مُفضيًا إِلى صَرعة ارتداء أَقنعة العُنجُهية الجَوفاء، وامتطاء ”دبابة التدمير“ الآني العَرجاء، دُون ”إِهراع أَو إسراع“ إِلى اللجوء المسعُور إِلى استجلاب واستحلاب مَخزون تَرسانة السلاح المُعادِي الضارب… مَا أَعنِيه هنا، يَتجلى للمُتأَمل ظَاهرًا. ويَبرز للمُتدبر عِيانًا، ويُوازي للقارئ دَلالةً؛ ويقابل للسامع استعارةً، أّثر قصف القنابل العنقودية البيئي التكتيكي المُدمر، في مُتسع نَهج مُداولات ومُباحثات مَناحِي مُعاملاتنا اليومية مع الآخرين مِن حَولنا؛ ومِمَّا يُشاعُ تداول صِياغته عند العامة: «الناسُ أَجناسٌ» … فمنهم مَن يَتعامل مع الآخرين بحكمة ورَوية، ويِجاري مَشاعرهم الجيَّاشة باحترام مُتبادل، واتزان مُماثل؛ ويُخاطِب عُقولهم المُتفاوتة بإِجلال حَاضر، ووَقار ظَاهر… ومِن الناس مَن يُجيد إِحكام إِغلاق مَشاعره المُستقرة الهادئة، بالضبَّة والمفتاح، في رُكن زاوية مُستترة، قبل أَن يُغادر فناء منزله؛ ليشمِّر عن سَاعديه، باستعلاء مَلحوظ؛ ويعود بصيدٍ مَوعود؛ ويطلِق العَنان لسَقط فلتات لسانه بسخاء غير مَعهود، بارسال قنابل لفظية عُنقودية مَشينة، في لقاء جُمعة الأَناسي الوداعين مِن حوله، مُتناسيًا نداءات الحكمة الرصينة؛ ومُجافِيًا نزاهة طِيب المُعاملة الحَسَنة؛ ومُعرِضًا عن التفاتة لِين الجانب المحمود!… ومِن الناس، مَن لا يستشعر، برفق وتعطُّف، مَشاعر مَن حَوله مِن سائر أَبناء جِلدته، ولا يُعير انتباهًا واعيًا مُحاسِبًا لفَرط وبَطش فَلتات وعَثرات لسانه الفتَّاكة؛ ولا يُدرك أَثر تصرفاتة المُقلِقَة للآخرين، ولسع كلماته النابية، أَثناء إِسداء حَديثه، أَو تواصله اليومي المُعتاد، في وَسطه الاجتماعي؛ وقد أعطى الضوء الأَخصر اللامع لاغتياب، وتشنيع، وتجريح، وتوبيخ، ونقل الأَخبار المُلفقة للآخرين؛ والنيل السافر الصارخ مِن كرامتهم، بحَماقة جَارحة، وسَذاجة بَلهاء، وشَراسة هَوجاء، ومِزاج سَوداوي، وطبع أَرِق نَزِق، ينفث ويطرح، واهن خيوطه العنكبوتية الشائكة، كالسُّم الزُعاف… وفي كل المحاور، ومختلف الاتجاهات؛ وكأَنَّه ينشر ويبث رؤوس قنابل مُحرقة؛ ويرسل أَجسامَ قذائف حَارقة، عن أَقصى يَمينه، وعن أَدنى شِماله؛ لا تلبث إِلاَّ أَن تنفجر سِراعًا، أو لِحاقًا في حُدود بقعتها الراهنة، عند مُلامستها أَعتاب مَسامِع مَن ليس له خِبرة؛ ولا أَدنى دِراية، باتقاء مُستصغر شَرَرِها اللاذِع؛ أَو كَبح ”صهيل“ جُماحِها الناشِز؛ أَو ذَرِّ رَمادِها المُتناثِر حُرًا طَليقًا، باتجاه مُعاكس، مع وقع أَدراج الرياح الجارفة، قبل أَن ينفجر مَا في جِوفها، في حِينه، أَو بعد حين!

ولا أَدلَّ على ذلك المنحى المُتردِّي من انحطاط وتفشِّي الآثار النفسية والوجدانية، والاجتماعية في عمق الوسط الاجتماعي المضطرب، في أَعتى وأصلف مُسلسلات التراشقات الهُجومية؛ وأَوهَى أَساليب المُلاسَنة التافهة؛ وأَشرس مُقابلات الصَّرعات الهائجة؛ وأَغلظ مُواجهات الصِّراعات المائجة؛ وأَوقح مُلاحقات المُشادَّات الكلامية الجوفاء… التي تنشأ وتترعرع تِباعًا، عن جَهل دَفين؛ أَو تتبلور في لحاظها، وتتمحور في حِينها، عن سُوء فَهم مُستحكم؛ أَو تنطوي، في دَفتيها السوداوين، على قُبح أَنانية مُستفحِلَة؛ أَو غَباشة ظُنون وَهمية؛ والرد المُتسرِّع على تأَجُّجِها الصاخب، مِن الجانب الآخر، كَمَن يَسكب الوقود على النار؛ أَو يكيل حماقة ”الصاع بصاعين“ … مَثلُ ذلك النهج الشاطح الزائغ - في حَد ذاته - كَمَثلِ سِربٍ سَابح طَليقٍ مِن القنابل العنقودية المُتتابعة، كأَسراب الجراد المنتشر، قد لا يُحَمد عُقباها، ولا يُسبر غَور أضرارها القادمة المُنتظرة!

وهناك طيفٌ آخر مَلحوظ مِن أسرع المواقف السلبية المُتعجرفة قَدحًا، إِذ يبدأْ فَتيل اشتعالها اللاهب مِن مُستصغر شَرارة حَائرة طَائرة، فسُرعان مَا يتوغَّل وَمِيضها الخاطف، وتلِج بضامِر انسيابها الصاعق في حَنايا صَميم جَوف مُستودعٍ غازي حَاضن؛ لتنفجر تباعًا، في غَفلة غِياب واحتجاب حِكمة وحِنكة كِلا الطرفين المْتحاورين المُتجادلين: المُرسل والمُستقبل، مُوافقة واستحكامًا… وعليه، فبقايا رَماد المْهاترات؛ ونفض شذرات فُتات التًرَّهات،؛ ووَأْد رَواسب ”سَقطِ متاع“ مُخلفات المُرافعات المُحتدِمة، أَثناء أَجواء أَتون الحِوار المُلتهب؛ لا تزال مَاثلة قَائمة، مَادام الطرفان المُتنافران سَائرين في أَعالي قِمم مَغبَّة غَيهما المُتنامِي، شِدةً ونُفورًا، في سِكة مِضمار هَجير مَواقفهما المُتناحرة الصارمة!

هذا، ولعلَّ مِن المُثبطات المُلاحَظة؛ لتخفيف وتجفيف مَنابع الغيض؛ وترويض وتدجين مِنصَّات إِطلاق فلتات وسَقطات تِيه القنابل العنقودية الوجدانية المُحرقة، مِن داخل مَخزون مَكمنها الآمن؛ تقبع حَبيسة سَاكنة في ”وجدان“ جوف سَلة عَقلانية حُبلى مِن أَحكام وتَدابير سَلامة هَدأَة العقل الرصين، وكمال استقامته المغبوطة؛ وأَصَالة صِبغة مُخرجات التروي الصائبة السديدة، وسلاستها؛ وقِصَر لحظة الانتظار المُترقب لِهُنيهةٍ، بعد أَن يُكمِل ”الهائج المائج“ مُجمل كلامه الشطط المضطرب؛ ويفرغ سَيل أَخاديد سَائر انفعالاته المُتدفِّقة المِدرارة؛ ويستنفذ فائض غَيضه المُتنامي؛ ليسكُت للحظةٍ؛ ويصيخ لِسماع رسالة الطرف المُقابل الآخر، في أَسمى وَمضة سُكون مُسترخِية مُبصرة، كمثل ”استراحة مُحَارب“ … ولعل الرسالة المُهداة المُستقبَلة، مِن الطرف المتَّزن المُقابل - في لُب جوف كَبسولتها الرشيقة الأَنيقة - تتجسد قائمةً حَيةً في صُورة كأسٍ دِهاقٍ باردٍ، تتُوق لها شهوة مِزاج الساخط الناقِم، بلُهاثه الخَائر المُنهَك إِلى كَرعِه، دُفعة واحدة، حتى آخِر قطرة!… ومَن مِنا لا يَسمو إِلى مِنصَّات الاحتكام الصائب المُنصِف؛ ويَرنو إِلى مَنابع الحكمة الرصينة؛ ويَفِيء إِلى مَصبَّات المنطق السليم؛ ويَفِر إِلى قُبول نِداءات الضمير الحي؛ ويَؤوب إِلى مُلاقاة سَائر الناس بوجهٍ طلقٍ؛ بغية توثيق وتحقيق أَواصر السمَاحَة المُثلى في أَواسطِهم وأَكنافِهم؛ وحِفظ صَفاء ماء الوجه بقربهم؛ وتقوية عُرى المحبة الجَامِعة الفُضلى بين قلوبهم المُتآلفة؟… ولنا في آي الذكر الحكيم أَجل العِظة، وأَسمى المَوعظة؛ قال تعالى: «وأَطِيعوا اللهَ وررسولَه ولا تَنازعوا فَتَفشَلوا وتَذهَب رِيحُكم واصبروا إِنَّ الله مع الصابرين».

هذا، وإِِن كنت عزيزي القارئ - الكيِّس الفطِن - مِمَّن أَنعم الله عليهم بنعمة الحِكمة الحَسَنة؛ وأَنالهم فيض الصبر الجَميل؛ ووَهبهم حُسن الخُلق القويم؛ ومَنحهم أَصَالة الرأي السديد؛ وأَمَدَّهم بسَماحة التروي المُتَّزِن؛ وأَسبغ عليهم بسِحر البيان؛ وأَعطاهم شَآبيب التبيين… فذلك الرِّفد الرباني المُجزي، خير رَصيدِ ثَراءٍ مَعرفي وِجداني مُستتر، في بُطون مُتونه الزاخرة الوافرة، بأَصَالة هُويتة المُمَيزة، وكَرَم حَاضر رَصيده المُغدِق، وجَاهز أَصله الثابت، يُغبَطُ مَن نَال حَظ؛ وحَاز شَرف حَملهما مِرارًا؛ وجعلهما مُتكأً يَستند إِليه في مَقامِه المُترَف؛ وأَقامهما مَرجِعًا يَحتكم إِليه في مُتَّسع قاعته الفخمة؛ واتخذهما مَشفًى يلجأُ إِليه لتضميد جِراحه النازف، في جُل مَحط سَير، ونهج مَسِيرة أُمُوره الراهِنة، ومِثلها في طول مِشوار سَائر شؤونه الحيوية المُستجِدَّة والطارئة، على حدٍ سَواء… وبالله التوفيق، ومنه العَون، وحُسن السداد!