آخر تحديث: 19 / 6 / 2024م - 9:01 م

تَحَدِّي أَمْ تَصَدِّي؟ حَدَثٌ وحَدِيثٌ «2»

عبد الله أمان

لا يكاد ينكر أحدنا أَنَّ لكل عقدٍ مِن الزمن في سِجل حَياتنا المعاصرة؛ وسيرة حياة أسلافنا البررة، له طعمه الخاص، ونكهتة المغايرة، ومزاجه المميز، يختلف تباعًا، عن نظيره الفائت المنصرم!… وليسمح لي القارئ الكريم بأَن أَرجع القهقري، بشريط ذاكرتي المتواضعة، واستدعي نبض ومضات جاذبة خاطفة في سجل باكورة رَيعان الشباب؛ وبالتحدِيد في عَقد السبعينيات، من القرن الميلادي المنصرم، حيثُ كُنت أَحدَ الطلاب المبتعثين للدراسة في الولايات المتحدة الأَمريكية، وتحديدًا في ولاية تكساس، لصالح برنامج وزارة المعارف الموقرة؛ لدراسة دبلوم اللغة الإِنجليزية؛ لتدريسها في مدارس المرحلة المتوسطة، لاحقًا!… ولأَنَّ بيئة الابتعاث آنذاك، جديدة وجاذبة ومثيرة، بات لزامًا أَن يَرى المبتعثون في عقر مُخيلة آمالهم الواعدة، وواقع أَحلامهم المعاشة، قبل الابتعاث، حقيقة ظاهرة بادية - في صميم حبكة أَحلام يقضتهم - قائمة في بوابة مِشوار قطار حياتهم الدراسية الجديدة، ومَاثِلة للعِيان. وفي زَهو ميدان الجانب المضيء المُشرق، لنفرة الانطلاقة المستبشرة. ولا يكاد ينكر أَحدهم ما تحويه بيئة الابتعاث الجديدة مِن عظيم التقدم العلمي الشامل؛ وشموخ المشهد العمراني العريق؛ وجمال الطبيعة الباهر الآسر؛ ومهارة تقنية تنسيق الشوارع المشجَّرة الجميلة؛ وأَرقى أساليب نظافة، وجمال وحسن تخطيط، وتطوير للحدائق والمتنزهات العامة؛ وبراعة صيانة ورعاية محيط الميادين الواسعة... يرى الطالب المبتعث، ظاهرًا عيانًا، كل ذلك وأَكثر، في كل وادٍ وميدان؛ ليستمتع الطالب المبتعث ذاته، بكل ما يثير انتباهه، ويسر خاطره… عندها لا يجد مناصًا، ولا مفرًا من أَن يوازن ويعادل مؤشر مَسحة إِثارة وجدانه المتعاظمة زهوًا؛ ليمسك بتلقائية ذاتية ”بصندوق الكاميرا“ الصديق الرفيق"، بكلتا يديه النديتين؛ ويضغط باستمتاع رائق بإِصبع سبابتة مرارًا وتكرارًا على زر التصوير؛ لالتقاط أَحلى الصور المكانية الملونة؛ واصطياد أَجمل المناظر التذكارية الجاذبة، لأَنضر مكتنزات الطبيعة الجديدة؛ وتوثيقها برويةٍ وتأَنٍ؛ لأَحدث وأَمتع محتويات الأَنشطة

الاجتماعية؛ وأَنجح مستجدات البرامج التعليمية؛ وأَجَد مغريات المراكز التجارية التسويقية؛ وأَبرع مثيرات الأَلعاب الترفيهية، من هنا وهناك؛ ليشفِي الطالب غليله المتعطش؛ للاحتفاظ الإِثرائي العامر النشط - بذكريات رحلة العمر - في سلة مخزون ومكنون عمق ثنايا ذاكرته الشاطحة؛ وتبقى رسومها الأَخاذة، ودَلالاتها المثيرة، بفخر واعتزاز، محفوظة مصونة داخل دفتي ”أُلبوم“ الصور الملتقطة الحية؛ وتظل حصيلة اللقطات الملونة الفاخرة، ذاتها - بقضها وقضيضها - شاهدًا إِعلاميًا نابضًا لثلة الأَبناء البررة، وجمع الأَحفاد الأوفياء، لاحقًا! هذا، ولا أُبالغ إِذا قلت بأَنَّ عقد السبعينيات الزاهر أَوحى ”بحماسة وإِقدام“ لجل فئة المبتعثين بأَن يتأَبطوا آلات التصوير الفخمة، أَينما ذهبوا، وأَنَّى ارتحلوا في ربوع تلك البقاع المثيرة، كتأَبط عامة الناس لأَجهزة الهاتف الجوال، في وقتنا الحاضر!

ومما أَتذكره ظاهرًا، بجلاء؛ وأَستظهره ماثلًا بوضوح آنذاك، في بلاد الغربة النائية، أَنَّ شركات تحميض وطبع الأَفلام، وتجهيز الصور، وبيع آلات التصوير الشخصية وملحقاتها، كانت في ذلك العقد المنصرم، وما تلاه، رائدة سائدة، ومسيطرة منتشرة بصورة أَخطبوطية، في كافة أَرجاء المدينة الواسعة، وعلى تاج رأسها شركتي: ”كودك وبلورويد“؛ لذا كنت أَرى أَصالة، ”أَكشاك“ تسليم وتسلم الأَفلام وطبعها منتشرة في كل شارع وميدان. ومثل ذلك، هناك ركن مخصص في صيدليات الميادين القريبة، للغرض نفسه. هذا، ولا تكاد تختلف طائفة المبتعثين السعوديين آنذاك، في طائلة الملامة، في نهم التقاط الصور الفورية، مادام المثير البيئي الخارجي، يسحر ويفتن، بتلقائية جاذبة، كامل الحواس الحاضرة؛ ويسترعي بلطفٍ حانٍ، جل مشاعر الانتباه الآسرة؛ ويستدعي، برفق وصدق، تسابق سيل الصور الملتقطة؛ لتنال وتطال مَوطئ قدم ثابت؛ تحظى وتندى بمحط صدارة، لساعة ترفيهية مُثلى، يعيشها الطالب المبتعث في ظل أَثواب الراحة المترفة؛ ويستمتع والهًا بزهو أَرائك الترفيه الراقي!

وما بين متسع مصراعي تلك البوابة ”المسلكية“ الشامخين، يتصارع ويتزاحم زخم مِقودَي ”الصد والرد“ و”التحدي والمواجهة“ … وهناك يحتدم جام الصراع في ارتياد منطاد ”غطرسة“ العقود التالية المكوكي الملون؛ بعد الظهور والانتشار السائد ”لطائفة“ متخمة حُبلى من كاميرات الفيديو المحمولة الشخصية المعروفة؛ مُرورًا بتقنية كاميرات أَجهزة الجوال العصرية المطورة؛ ووصولًا إِلى أَحدث ابتكارات كاميرات المراقبة والضبط الأَمني؛ مواجِهة ”مُحيرة مُثيرة“ لثلة أجيال وأطوار جديدة من نسق الكاميرات المطورة الجبارة: كاميرات التصوير الجوي، وتوائمها الحاضرة والقادمة القائمة: كاميرات التصوير المعماري، وكاميرات تصوير الحياة الفطرية، وكاميرات التصوير الاجتماعي الموثق… بأَشكالها الأَنيقة، وأَنواعها الجاذبة، وقدراتها التخزينية العظمى، ومهامها الذكية الأَدائية المتعددة الأَغراض... عندئذٍ لا مفر، ولا مهرب، من الاستيقاظ النادب على خلفية أَنقاض بساط أُسطورة صيت انتشار واستخدام كاميرات فن التقاط الصور التقليدية الشخصية المتاحة، بعد حسم فصول المعركة، غير المتكافئة، لصالح مد تدفق سيل النظم البصرية الوليدة؛ وتسلل منظومات المخرجات التكنولوجية الزاحفة؛ ومثلها أَندادها الوليدة: الإِلكترونية الحديثة؛ وانتصار مستجدات حَراك التسابق المعلوماتي التسويقي الشامل، بتدفقه النشط، غير المسبوق، في أَوسع مسارات، وأقوى متون، وأَرقى فنون أَحدث نقلة علمية عالمية، يشهدها القرن الحالي، تدعمها وتوآزر مسيرة ثورتها الشاطحة زخم ”أَناشيد“ أبجديات الأَفلام الكرتونية الطفولية المثيرة المدبلجة؛ لتأسيس مُحفزات ومنشطات قبضة الجرأة الحديدية المحكمة؛ ومساندة أَولويات نسق تطلعاتها التطويرية العصرية الصارخة؛ مُويدة بخلاصات الأَبحاث المركزية؛ ومُسددة بمنجزات الدراسات الميدانية؛ ومتابعة بإِدارة عقول التنظير، ونظم التدبير؛ ومبرمحة بأَساليب التصدير النمطية التنموية العريقة؛ تخرجها إلى حيز التنفيذ؛ وتقدمها إلى ميدان التطبيق، مرئيات ومعطيات التخطيط الإِِبتكارية الماهرة، في عنان سماء عصر العولمة الشامل؛ لمعانقة استقبال، ومصافحة استهلال عقود قادمة جديدة مناهضة لموجات ”الصد والتصدي“ التقليدية المقاومِة لمكتسبات ومستجدات معطيات تكنولوجية العصر الميدانية المصاحبة الساحبة؛ وقد أَكل الدهر وشرب، على أَضراب كل عراقيل، وجُل معوقات ضفاف ثورة ”التصدي“ السقيمة العقيمة؛ الساعية لشل وتجميد مكتسبات ومظاهر حضارة ”التحدي“ السامقة المعاصرة!…

وهناك، في عمق سيناريوهات المعارك المحتدمة بين ضفتي «التحدي والتصدي» انقلبت حيلة السحر المقيت على الساحر، بإِضرام موجات ”كاسحة ماسحة“ بحزم وعزم؛ لإِحداث موجاب تغييرية مُضادة مُناهضة، في شتى أَساليب مناحي الحياة الراهنة، تتنامى وتتشعب أَطياف أَضوائها الكاشفة مع مد وشد موجات أَحدث ”صيحات وصرعات“ التقدم التكنولوجي المذهل المتجددة؛ المؤيَّدة سندًا، والموطَّدة إِمدادًا، بأَضخم وأَفخم وأَوسع مجمعات الأَبحاث العالمية الشاملة الدؤوبة؛ لتتسامى وتتنامى، في عقد ظاهر مَهوى قِرطها الأَخاذ، آخر مخرجاتها المشهودة المدججة بأَحدث تعبيد الفنون التقنية؛ والمسلحة بأَوسع توريد نُسق المعلوماتية، من مصادرها العلمية الميدانية، ومنابعها التطبيقية العصرية المبتكرة؛ لتتآلف وتتحالف - خطوط تجميعها، ومنابع إنتاجها، و?َساليب تطويرها - مع أَكبر المعطيات المعرفية، وأَرقى الصناعات الإِنتاجية السالكة الجديدة، التي تصب برمتها الهادرة، بمتسع فوهات مصباتها العارمة الضخمة، ليل نهاز؛ لتواكب وتساير تطلعات الرؤى العالمية، المزودة بشبكة مناظير استكشافية عِملاقة؛ والمزدانة بتقنية مقاييس استشرافية، صاعدة واعدة، تشهدها وتعاصرها فلول وجموع الأَجيال القادمة، خطوة، خطوة؛ واقعًا محسوسًا؛ ومنجزًا حضاريًا ملموسًا، لا محاله!

هذا، وعودًا حميدًا إِلى تفقد مواقع مرافعات هجمة ”التصدي“ الصاغرة الشرسة، في أَقصى عقر مقعدها الخلفي، لمسيرة ”التحدي“ الدفاعية الناهضة، المتجسدة في في كنف أَريكتها المتأنقة، أَمانة وأَصالة، بدراسة بنود أُصول كامل مستندات - نظيرتها الخديج السقط - التسويقية والثبوتية، ومراجعتها بحماسة وكياسة، استعدادًا لخوض جاهزية الإِدعاء المتيقظ المنتظر؛ والانخراط النشط المقتدر، في غمرة وزحمة رشاقة مهام مرافعات ”الكر والفر“ الناشطة، وشدة أَشواط المناظرات الفعالة، براحًا وعلنًا؛ وتحديدًا: بين شركات تحميض الأَفلام، وإِنتاح، وطباعة الصور التقليدية الرائجة، التي سادت ردحًا، ثم بادت... ومقام نظيرتها المعاصرة البكر: «ثورة التصوير الرقمي والإِلكتروني»، متعددة الأَغراض، وحَفَدة ملحقاتها العصرية المبتكرة القائمة في عصب أَساس تقنية بنية شتى العلوم والفنون النابضة… تلك المرافعات ”المتلاسنة“ انتهت، برشاقة وبراعة، إِلى قاعة تلقي وسماع ”النطق“ المنتظر لحكم الفصل النهائي؛ وكان فيصله القضائي لصالح ضفة التحدي القائدة. ولاحقًا، يتم استمطار وإستصدار ”بروتوكولات“ متداولة بالإِزاحة والإطاحة؛ والتنحي الذاتي الأَريحي الحاسم؛ والانسحاب المرحلي التام، وسحب البساط من تحت أَقدام تلك الشركات والمنشآت المترنحة في أَصل عُقد منابت جذورها الواهنة المتخلخلة؛ لتشهد إِجراءات حراك الخلع القسري طائفة من رفقاء حراك ”التحدي“ المحتفى به؛ وتتنفس الصعداء، لاحقًا؛ ويُمنى - في ثنايا القاعة الخلفية - هياج واضطراب قافلة ”التصدي“ المنتحر بميكانيكية التخلص الذاتي من فُتات قشور أَغشيتها ”الثعبانية“ المتسلخة عن أصل عتمة جلدها الجاف؛ وانحسار وانكسار وإفلاس أْصول مِيزانياتها ”العملاقة“؛ وإِغلاق فروعها الضخمة الفخمة، بانبجاس تيار طوفان موجات المد الإِبداعي التكنولوجي، البديلة الكاسحة، برشاقة ولياقة الضغط الواثق الحازم المسدد بصلابة نتائج الحسم المتنمِّرة، فوق رؤوس أَزرار ناسفات ”الديناميت“ التشغيلية الرقمية، التي لا تبقي ولا تذر؛ تؤآزرها وتناصرها في الإِزاحة والإزالة، جنبًا إِلى جنبٍ، مُتون كاسحات ”البلدوزر“ العملاقة… لتظل زاوية أُلبومات الصور العريقة الملتقطة آنفًا، فريدة يتيمة، ظاهرة حاضرة في صدور وأَعناق صِهاء حواس أَنفاس ريعان الشباب الساخنة؛ وشاخصة، بجلاء وصفاء، في صميم نَهم مناحي محفزاتهم الشابة البِكر الدافعة؛ لتبقى مشاهد أَطلالها المتهالكة، وتؤول بقايا إطلالتها المنقرضة، تركة ميراث عقود ازدهار؛ وقد تمثلت شذرات أُصولها المتداولة ?نذاك، في هامش سِجل ساعات مرح، ولحظات فرح، وهنيهات انبهار؛ وقد أَينعت، وخلت، وأدبرت، ثم انقرضت… تمامًا، مثلما انقرضت للأَبد، فصيلة الفيل الصوفي الضخم ”المامُوث“ مِن الأَراضي الروسية في حُقب سالفة غابرة من التاريخ القديم؛ وكذا انقراض وهلاك فصائل طائر ”الدودو“ الغبي، مِن كل أَراضي جزر الموريشوس القديمة، قبل أكثر من ثلاثة قرون، في شرق المحيط الهندي، وهنا، يحق للقارئ الكريم، أَن يتمثل بديباجة المثل الإِنجليزي الأُسطوري المتناقل، بعد حُقب الانقراض، وعصور الغياب والفناء، ولا وجود لأَثر شيء ما يذكر، على وجه المعمورة: «انقرض كما انقرص طائر الدودو» … ولعل شواهد المد الحضاري - القادم الصادم - تكون أقوى أثرًا، وأَطول عمرًا، وأَعظم أَثارة، في غمرة تنايا صميم زوبعات دوامة المد التكنولوجي العاتية المتعاظمة، بمحتواها ”الخام“ المنفلت جُزافًا، من جوف غمده؛ وإهدائها التام المنفتح، على واسع جانب مصراعيها - في مختلف سُوح شتى المجالات الحيوية؛ وفى ظاهر سطوح، وعالي ظهور، وعظيم متون جَواد هذا المنوال المنهجي النمطي الساحب ذيله زهوًا؛ والشامخ أَنفه تبخترًا، سيبقى زر قدح موجات ”التحدي“ صلدًا صامدًا؛ لتتنحى وتتقهقر تِباعًا، تِلال تراكمات ”التصدي“ الهشة؛ وتهوي شذرات أصدائها المتصدعة المتشققة، بتهالك ملحوظ؛ وتبوء بدمار مشهود - عائدة بخفي حُنين - خائرة القوى، ومتفتتة قِوام البِنية التحتية… عندئذٍ تُسمَع وَيلات التصدي النادبة؛ ويُرَحَّب بصَيحات أبواق التحدي المهلُّلَة، جهارًا وعلانيةً، نهارًا وبياتًا، في كل جنبات الأَصقاع؛ والمستضافة نغماتها الرنانة الطنانة في مختلف البقاع، وتُدعى إِلى سائر الأَمصار، بعد انحسار وانقراض شيخوخة ضفة التصدي الرعناء - ليتنامى ويتسامى بصدوع وصدوح، ارتفاع صيحات أَبواق النداءات المدوية عاليًا، من جديد، في عَنان سماء، بُرَح قيعان كل النواحي والأَصقاع؛ وتعم أَديم شتى مناحي الأَكناف والأَطراف؛ مُعلنة بصدق الولاء المتفرد؛ ومُنادية بصراحة الإِدلاء المتجدد… البقاء الأَعم الأَدوم، ولزوم إطار مقود القيادة والريادة ”النصوح الطموح“ الأشمل؛ يؤوب لصالح قبضة المنافس الأَقوى الأَمثل. وبالله التوفيق، وحسن الختام!