آخر تحديث: 19 / 6 / 2024م - 9:01 م

وعي أم سعي ؟

عبد الله أمان

تبدو اللفظتان مُتناغمتان في التركيب؛ ومُتلازمتان في الترادف، غير أنهما مُتفاضلتان في الترتيب… فالوعي - في بُؤرة مِنظاره التكويني - يمتلك قائمة من الخطط المقترحة الطموح، ويحظى بسلسلة من الخرائط الذهنية، ويزخر بالمستندات التصورية والإدراكية المدروسة؛ لرسم كامل التفاصيل الإنشائية، واستدعاء الجزئيات البنائية لمشروع - تجاري - أو غيره؛ أو إنجاز خطة عملية إنمائية، تنتظر جهود السعي الدؤوب في استفتاح واستهلال مراحل التنفيذ العملي الميداني المُبرمج، والشروع الإجرائي ”الميكانيكي“ المُرتب، لإنجازها وإبرازها إلى حَيز الواقع الملموس، بعد إتمام واستكمال بنود الوعي الاستباقية!

أما السعي، في دلتا الضفة المقابلة، فهو بمثابة المقطورة المنتظرة الفاخرة؛ بما تحويه، في جوف مقصورتها الأنيقة الٱمنة، من عَقد نية العزم، وانتهاج قرار الحزم؛ للوصول المأمون المأمول إلى مَحطاتٍ مُثلى ذات نتائج إيجابية مُثمرة، كمًا وكيفًا… وبمُقدار مساحة الوعي التخطيطي المتاحة، وحُرية التفكير الإبداعي الممنوحة، ولفيف ملحقاتهما البنائية السانحة: كالتخيل، والربط، والعصف الذهني، والاستنباط، وجمع البيانات، والاستنتاج المرحلي، ودراسة وتحليل النتائج، وتقويم الضوابط، وإعادة مراجعة المثبطات… والتي تسهم جميعها في تسريع دفاف مسارات الخطط الأولية، لأداء اي مشروع عمل مسقبلي، مأمول نجاح مَساعيه، ومرجو ريع مَردوده العائد... وعلى خُطى تلك البُذُور النقية المُختارة بفائق عناية، والمُنتقاة بتأنٍ ودراية، تتضاعف المساعي المتتابعة؛ وتتألق المسارات الدؤوبة؛ لإثمار وإصدار مَحصولها الدانِ المنتظر؛ واستثمار رَيعها المرتقب المعتبر، بعد أن هُيِّأت تربتها؛ وتَواكبت سِقايتها؛ وطَاب إنباتها؛ وأَينعت ثمارها؛ وحَلَّ أوان قِطافها...

كل تلك الخطوات الإجرائية المُتزامنة بمنهج مُقدمات الوعي الشامل؛ والمُسددة بنفرة السعي الدؤوب، ترمي إلى إنحاح مشروع مثمر، تَرى النور ثِماره اليانعة؛ وتدرك النماء أرباحه المغدقة، عِيانًا!

ولا يكاد يُخطئ المتتبع اليقظ الساعي؛ لتحقيق مكاسب حُطام مشاريعه ”الدنيوية“ الربحية ”الصغيرة“، واحدًا تلو الٱخر، بعد أن أعدَّ العُدَّة؛ وحَزم الأُهْبَة؛ وسَعى بعزم صِدق النية؛ لحصد الأرباح المنتظرة؛ وإنماء الأرصدة المتكاثرة، تِباعًا… فالأوْلى والأسمى والأنمى أن يَعي مُستثمر مشروع فخر ”المكاسب الأخروية“ في نظام وعيه الثاقب، وديدن سعيه النافذ، أن يُربِي مِيزان حَسناته المتنامية، ويثقِل مَوازين صَحيفة أعماله الرابحة، يوم لا ينفع فيه مالٌ ولا بنون، إلا من أتى الله بقلبٍ سليم!

وأن لا ينفك المستثمر الرابح ذاتة في سَعيه الدائب النشط في سُوح الثبات الإيماني الطامح؛ والاستثمار ”الأخروي“ الطامع إلى نيل جنة الخُلد؛ والراغب المتطلع إلى كسب مَرضاة رب العزة والجلال؛ والشائق التائق إلى ما أعده ربه من أنْعُم العطايا الربانية المُجزية في الدار الٱخرة الباقية - فنعم الرِّفْد المَرْفُود - بعد أن استوفى، الساعي الشاكر، نصيبة الزاهد من دنياه الفانية!

وليتفكر ويتدبر - المستثمر لمشروع ٱخرته - بعمق وعيه، وصدق يقينه - مرازًا وتكرارًا، بأنَّ ما كان لله ينمو، وينال ببركته، المؤمن الزاهد ضالته المنشودة؛ ويُرْفَد مُبتغاه الأسمى؛ ويَجني بأوفى - عطائه الندي - أرباح سعادته الأبدية… وليتفكر مَليًا، بسماحة إيمانه الصادق،

ويتدبر عَميقًا بكمال وعيه الفائق، ويتأمل طَويلًا بصلاح سَعيه السابق، غَرَضَ ومَقَاصِد الٱية الكريمة: ﴿وأن لَيْسَ لِلإِنسَانِ إِلَّا مَا سَعَى، وأَنَّ سَعْيَهُ سَوْفَ يُرَى. وفي جِوار امْتداد ظل تلك الخاتمة الربانية الهادية المهدية، واتساع نِتاج مَواهبها المشرِّفة السَّنِية، فليعي الواعون؛ ويسعى الساعون إلى أحْضَان جنة عَرْضها السماوات والأرض، أعِدَّتَّ للمُتقين؛ فنعم الوِرْد المَوْرُود!