آخر تحديث: 14 / 6 / 2024م - 2:01 ص

التفكك الأسري وآثاره الاجتماعية

جهاد هاشم الهاشم

قال تعالى: ﴿وَمِنْ ءَايَٰتِهِۦٓ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَٰجًا لِّتَسْكُنُوٓاْ إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِى ذَٰلِكَ لَءَايَٰتٍۢ لِّقَوْمٍۢ يَتَفَكَّرُونَ. الروم الآية «21».

تُشير الآية الكريمة لما يجب أن تكون عليه العلاقات بين الأزواج، والمتتبع لهذا النوع من الارتباط يلاحظ - وخصوصا في عصرنا هذا - الكثير من المعوقات التي اجتاحت بشكل سلبي وجلي علاقاتنا الزوجية، وخدشت مشاعرنا الإنسانية مما أفقدها بريقها العاطفي والأسري على حد سواء.

ومن المؤكد هناك أسباب لهذا الوضع الذي بات حقيقة وواقعا نعيشه في ظل المتغيرات التي جاءت بعضها لمصلحتنا كبشر وبعضها الآخر عاصفا للعديد من علاقاتنا الدافئة والحانية. ومن تلك الأسباب: النفور والتباعد العاطفي داخل الأسرة الواحدة. ويعود ذلك للتنافر وعدم التواد بين الأبوين مما يسبب معاناة حقيقية للأبناء بشكل خاص والمجتمع بشكل عام. وهذا مؤلم - لاشك - لأنه يمثل نهاية علاقة بين شخصين، وهي بداية تحول كبير في حياة أشخاص يمثلون ناتج علاقة هذين الشخصين. وهذا التحول يجر لتحولات سلبية على مستقبل بقية الأطراف. والإحصاءات تؤكد - للأسف الشديد - ومن خلال ما نعايشها ونلمسها في العلاقات الاجتماعية؛ أن مجتمعنا يعد في مقدمة المجتمعات التي تعاني من تزايد ظاهرة الطلاق عاما بعد عام! ورغم أن هذه الظاهرة حظيت بالبحث والدراسة والكتابة على كافة المستويات الرسمية والإعلامية والاجتماعية ولكن لازالت هذه الظاهرة تسير في نمو متزايد وبشكل ملحوظ ومخيف. ولم تنجح هذه الدراسات والبحوث في علاج هذه الظاهرة التي هي غاية في الخطورة.

أما الدراسات والمطالعات في هذه المشكلة فكثيرة ومتزايدة، وفق دراسات متنوعة ومتعددة. مما يؤكد أن معظم الشباب ضحية لقلة الخبرة الزوجية، ولعدم التهيئة للانتقال من حالة «التحرر الشبابي» لحالة الالتزام الأسرى، تحت ظل قواعد منظمة لتلك الحياة الجديدة من الناحية الشرعية والأخلاقية.

وهذه الدراسات أكدت أن هناك قصورا واضحا في النضج للزوجين قبل الزواج لمعظم حالات الانفصال. خاصة للفئات الأصغر عمرا. وهذا القصور هو الذي أدى إلى تدهور العلاقة الزوجية خلال السنة الأولى من الزواج. وكذلك عدم النضج لكلا الزوجين، وهذه مسؤولية كبيرة تشترك عدة أطراف في تحمل مسؤوليتها.

ومن الحلول التي قد تساعد في تقليل تلك المشكلات: إقامة دورات تأهيل وتثقيف للزوجين قبل الدخول في معترك الحياة الزوجية، كما بالإمكان إنشاء قسم للتوجيه والاستشارات الأسرية يتبع للجمعيات الخيرية للعمل على فض النزاعات والخلافات، من خلال عقد الندوات والدورات المؤهلة لخوض تلك التجربة الجديدة للزوجين على جميع المستويات؛ ليصبحوا بعدها قادرين على تحمل كل ما يتطلب من أمور تستوجب المحافظة على هذا النوع من العلاقات.

وظاهرة الطلاق أصبحت اليوم في حاجة ماسة للنظر إليها بعين البصيرة والتدخل لحلها وإنقاذ المجتمع من سلبيات كبيرة تتراكم عاما بعد عام بسبب تلك الظاهرة والتي تحتاج إلى ما يلي:

أولا: إقرار دورة تأهيلية اجتماعية إلزامية للشاب والشابة يكون حضورها واجتيازها شرطا أساسيا في إقرار عقد النكاح أسوة بالكشف الطبي، وهذه الدورة تعد وتنفذ من جهات رسمية ويشترك في إعداد برنامجها مختصون شرعيون واجتماعيون ثقات من الرجال والنساء لمدة لا تقل عن أسبوع، وفق برنامج مكثف وشامل، وينفذ من قبل هيئات رسمية أو شبه رسمية.

ثانيا: إنشاء هيئة وطنية اجتماعية للفصل في النزاعات والخلافات الأسرية تعنى بالنظر لكل الخلافات الناتجة عن اختلاف الزوجين بدرجة سرية تامة جداً تسند إليها جميع الحالات والخلافات الأسرية، قبل النظر فيها من الجهات المعنية بعيداً عن الرسميات؛ وذلك للمساهمة والمحاولة في حلها بشكل ودي بعيداً عن كل ماهو رسمي كمبادرة للم الشمل. وتستقبل هذه الهيئة جميع الحالات مباشرة من أطرافها أو من الأسرة. والأهم في عملها «السرية المحضة» بأعلى درجاتها وتوفر لها جميع الإمكانات المالية والإدارية وما إلى ذلك مما يضمن نجاحها في مسؤوليتها.

والقصد هنا أن معظم حالات طلاق الشباب تحدث بسبب ضعف تأهيل الطرفين إلى مرحلة الزواج، وهذا الضعف تعود أسبابه إلى عدم إدراك المعنيين أو أحدهما مرحلة الزواج وأهميتها، وطبيعة المرحلة القادمة.

إن حالة الزواج في السنوات الأولى تكون معرضة للفشل بنسبة كبيرة لأدنى ولأتفه الأسباب، ويعود ذلك لقلة خبرة الزوجين بهذه المرحلة وعدم القدرة على فهم مرحلة ما بعد الزواج، وأنها تختلف عما قبلها اختلافاً كلياً وخاصة فئة الشباب الذين لا يستطيع الكثيرون منهم التخلص من مرحلة العزوبية وعدم قدرته على التأقلم مع ذلك المستجد؛ وبالتالي منهم من لا يقاوم فراق الأصدقاء والزملاء الذين ظل ملازمًا لهم سنوات طويلة. وفي نفس الوقت الذي تكون فيه الفتاة غير قادرة على التأقلم مع عدم قدرة الزوج على التخلص من هذه الحالة. لذلك يجب أن تتكاتف الجهود من أجل التخلص من هذه المشكلة والآفة التي تنخر في نسيج المجتمع بشكل مؤذٍ وقاتل للاستقرار الأسري. ويجب الوقوف عندها بشكل جاد ومحاربتها بلا هوادة ليتم التخلص منها بشكل نهائي حتى نصل إلى بناء مجتمع هادئ ومستقر؛ وبالتالي نبني جيلا قويا واعيا مؤمنا ذا مبادئ وقيم راسخة متينة، يساهم في دفع عجلة التقدم والازدهار للوطن كافة.