آخر تحديث: 21 / 6 / 2024م - 4:43 م

فكر قبل أن تحكم

ياسين آل خليل

حتى لا يأخذك تفكيرك بعيدًا، هذه المقالة ليست درسا في الأخلاق، ولا فصلا من مبادئ البحث عن الكمال. اتخذ وضعًا مُريحا، استمتع بكوب الشاي الذي حضّرته للتو، واقرأ حتى النهاية، لو تفضلت.

في عالم تسوده السرعة، كلنا مشغولون للغاية، مشغولون لدرجة أننا فقدنا القدرة على إسعاد أنفسنا، مشغولون لدرجة أننا نتأرجح على حافة الهاوية، مشغولون إلى الحد الذي نسينا فيه أنفسنا ومن يعز علينا، حتى بتنا عاجزين أن تستمتع برحلة العمر وأن نُقدر كل لحظة بغض النظر عما تحمله لنا من بركات وهبات، أو مكروه وشؤم لا سمح الله.

إذا كان هذا هو حال حياتنا، تَسَارُع لا ينبئ عن تباطؤ قريب، نلتقط أنفاسنا ونأخذ شيئا من الراحة ولو لدقائق معدودة. إذن أين هو العيش الذي يتحدث عنه البعض؟ كم نحن بحاجة إلى أن نبطئ الخطى حتى نشعر باللحظة ونستمتع بها. عندما تمر حياتنا بهذا الإيقاع السريع، فمن الطبيعي أن يعترينا التوتر والاكتئاب، وأن تكون أحكامنا مُرتجلة وغير صائبة.

الوصول إلى مهامنا اليومية بوعي وتركيز، يسمح لنا بأدائها بأقصى قدر من المهارة والحرفية، ودون أن نفوت علينا متعة العمل، لحظة بلحظة. لا شك أن الحياة تُصبح أكثر روعة وجمالًا، لو تمكنا نحن وغيرنا من التعامل مع المواقف المُجهدة، بواقعية ورضا وتحكم في ذواتنا والظروف المحيطة بنا.

نحن عندما نواجه موقفا جديدًا، للأسف مُعظمنا لديه ميل طبيعي أن يفرض أحكامه وآرائه، دون التوقف ولو لبرهة للتأمل، هذه هي مُثُلنا التي غالبًا ما تدفعنا إلى تحيزات وتخمينات سريعة وغير دقيقة، وبعيدة عن الصحة والواقع. ألم يحن الوقت بعد لأن نرجع إلى تعاليم ديننا الحنيف، والتي من خلالها نتعلم كيف ننظر الى الحياة من تلك العدسة الموضوعية، ودون التجني لإصدار أحكام مجحفة بحق الناس والأشياء.

ألم تعلمنا تلك القيم كيف نتحلى بالصبر ونصون ألسنتنا، ولو لبعض الوقت، حتى تتضح لنا الصورة كاملة، ودون أن نستخلص النتائج بناءً على تجاربنا السابقة؟

من المؤكد، عندما تكون مواردنا المعلوماتية صادقة ومواكبة للتعاليم المجتمعية المتعارف عليها من قيم وآداب، فإننا نكون أقل عرضة للتحدث بشكل سيئ عن أناس هم من طينتنا، أو أن نصنفهم في فئات ذهنية مضللة ومشوهة للواقع، أو ما شابه من أعمال لا يرضى عنها الخالق في أن تمس أحدًا من عباده.

عندما تكون التربية السليمة قد أخذت مأخذها من التأثير فينا، فإنها دون شك تنهانا عن اللغو والنبز، وتحثنا على التحكم في ذواتنا والتزام الهدوء في الأوقات الصعبة، وإن دفعتنا أنفسنا الأمارة بالسوء الى خلاف ذلك.

ليكن الواحد منا مثل كسرة العود، كلما تعرضت للهيب النار، ملأت المكان بأريج رائحتها الطيبة وأراحت من حولها بحسن عبقها. أو كعود الخيزران يميل مع الريح ليلامس الأرض تواضعًا، لكنه يأبى أن ينكسر، بل يعود إلى طبيعته مرفوع القامة شامخًا.

بالتأكيد نحن جميعا قادرون ومن خلال الممارسة اليومية، البقاء على الأرض، نواجه صعوبات الحياة وما تحمله من محن وآهات، تماما كالجبال تتصدى لشتى أنواع العواصف والتقلبات المناخية، لكنها تبقى راسية عاتية لا تنكسر ولا تنهار. لقد نشأنا على الفطرة نتوقع الأحداث ونرصد التنبؤات، لكن ذلك لا يكفي لأن نفوز بكلتا الدارين، إذ بات علينا أن نحافظ على تركيزنا، لنتمكن من رؤية الأشياء بوضوح، ودون أن نتأثر سلباً بسحب الماضي أو ضبابية الحاضر.