آخر تحديث: 21 / 6 / 2024م - 4:43 م

نعم قبلت

ياسين آل خليل

الشاب والشابة على حد سواء ينتظران تلك اللحظة التي يتوافقان فيها ويدخلان في عقد وشراكة لا يحدها مكان أو زمان. يتقدم الشاب لفتاة أحلامه التي طالما رسمها في مخيلته لتكون له سكنًا وأمًا لعياله إذا ما قدر الله أن يرزقهما تلك النعمة. يحصل كل منهما على النظرة الشرعية أو اللقاء الذي يسبق الملكة وتتم الموافقة المبدئية وتبدأ التحضيرات لليلة العقد المقدس.

تمضي الساعات والأيام بطيئة على غير عادتها، والشابان لا يكادان ينتظران تلك اللحظة التي يعلن فيها الشيخ أو المأذون ارتباطهما شرعًا زوجًا وزوجة وأمام ثلة من الأقرباء والأصحاب لتصبح تلك العلاقة علنية وموثقة. وفعلًا يصل ذلك الإنتظار الى منتهاه وتأتي اللحظة الحاسمة التي يُسأل فيها كل من الشاب والشابة إن كانا يقبلان بعضهما زوجًا وزوجة على كتاب الله وسنة رسوله الكريم، ليأتي الرد سريعًا من كليهما، وكل على حدة، نعم قبلت.

يبدأ الشابان مشوارهما التعارفي، إن صحت تسميته، بمقابلات مكثفة تكاد تكون يومية. يتبادل الطرفان أرقام التواصل وتأخذ تلك العلاقة في التنامي يومًا بعد يوم. من الطبيعي أن يتخلل تلك العلاقة الكثير من الفعل وردات الفعل، التي يغلب عليها طابع الإعجاب والإيجابية بالآخر حينًا، والترفع والتنافرسلبًا أحياًنا أخرى. يجب علينا أن لا ننسى أنهما حديثي المعرفة ببعضهما ويحتاجا الكثير من اللقاءات لدعم تلك العلاقة. ثقافة الفرد تلعب دورًا محوريًا في ترسيخ المحبة والمودة بين الطرفين وأخذها الى مستوى متقدم من فهم الآخر. للأسف هذا عكس ما نشهده اليوم من تفشي ظاهرة الطلاق في مجتمعنا مما يُنذر بوصوله الى حالة من التشظي والتصدع. ظاهرة الطلاق هذه، مدعاة للتشاؤم وإنذارٌ مبكر يهدد مستقبل البنية الأسرية لمجتمعنا، إذا لم يتدخل عقلاء القوم في مجتمعنا لهذه الظاهرة ودراستها بعمق قبل فوات الأوان.

نحن هنا لا نتعمد وضع اللوم على طرف دون غيره، بقدر ما نحتاج لأن نمسك بطرف الخيط المؤدي الى جذور المشكلة وإيجاد الحلول الناجعة لها قبل وصولها الى حالة من التردي لا يمكن بعدها لكلا الطرفين الرجوع الى المربع الأول. سوء العشرة والمعاملة السيئة من فعل غير لائق، أو تلفظ غير مدروس قد لا يأخذ بعين الاعتبار مراعاة مشاعر الآخر وقد تنتهي معظم تلك التصرفات في آخر المطاف إلى طلب الانفصال. اللجوء الى الطلاق عادة ما يأتي دون تفكير عقلاني يُذكر من قبل أحد الطرفين أو كلاهما لإصلاح مايمكن إصلاحه. اليوم ليس منا من يجهل أن الأسباب المؤدية للطلاق على تفاهتها وصلت الى حد بات مرفوضًا من السواد الأعظم من المجتمع، فالأسباب على كثرتها وتنوعها فاقت كل التصورات ولم تعد تنحصر في مواقف محدودة كالفتور العاطفي من قبل طرف، أو سرعة الانفعال أو الغضب من الطرف الآخر، بل تعدته الى التدخلات الخارجية المنحازة من الأهل والأصدقاء. وما أن نُضيف الأمور المالية الملحة الى بقية ما ذكرناه حتى يتبين لنا مدى ضحالة وسطحية الأفكار التي بُنيت عليها قرارات الإنفصال، والتي إن أمكننا أن نضيف ما نقوله عنها بأنها بعيدةً كل البعد عن الحكمة والدراية ومنطق العقل.

من هنا أدعو جميع الأسر للعب دورها الفاعل في إرشاد فلذات أكبادها من البنات والبنين وتوخي الحذر من الوقوع في منزلق التيه والضياع. كما وأننا لا يجب أن ننسى دور خطباء المنبر والمصلحين الاجتماعيين في لعب دورهم التثقيفي والإرشادي للمقبلين على الزواج وإيصال المفهوم الصحيح لعبارة ”نعم قبلت“ التي أكاد أجزم أن الكثير يجهل ما تحمله تلك العبارة من مكنونات ومفاهيم وعهود لو علمها شبابنا لفكروا مليًا قبل أن يقدموا على قراراتهم المرتجلة بالانفصال والعودة إلى العقل المرجح لبناء علاقة يسودها الحب والوئام، مقتدين بالآية الكريمة ﴿وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُم مِّنْ أَنفُسِكُمْ أَزْوَاجًا لِّتَسْكُنُوا إِلَيْهَا وَجَعَلَ بَيْنَكُم مَّوَدَّةً وَرَحْمَةً ۚ إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِّقَوْمٍ يَتَفَكَّرُونَ.