آخر تحديث: 21 / 7 / 2024م - 9:51 م

نهاية كتاب المعاريض

أثير السادة *

مثلما وضع كتاب المعاريض أقلامهم، سيأتي يوم يترك فيه كتاب الأعمدة زواياهم ويفترشون الفيء في عالم النسيان، فمن كان يكتب لعامة الناس ما لا يحسنون صياغته وهم يبحثون عن جملة أكثر جدارة قبل الخوض في معاملة رسمية، أو خطاب عاطفي، ورثه اليوم كتاب تركوا أصابعهم خلف لوحة المفاتيح وعيونهم خلف مواقع التواصل ليخطفوا بعضا مما يحمله بساط الريح إليهم من أسئلة وقضايا يطرقها الناس في فضاءاتهم العامة، سقط القلم الباركر بسقوط الطاولات المركونة إلى زوايا المؤسسات الرسمية، وارتفع صوت صرير الضاربين بأصابعهم على رؤوسنا!.

لن يكون حلم كتاب الأعمدة أطول من حلم أقرانهم من جيل المعاريض، ستحيلهم ريح التحولات إلى ورق متطاير في ساحة التأثير، لم يعد هنالك الكثير ممن يطمعون بكاتب يتناول أوجاعهم في مقالته التالية، لأنه في الضفة الأخرى ثمة معسكر دائم للكلام يبتكر شكل حضوره وتأثيره، لا حظوة تذكر فيه لهذا الساتول الطويل من الذين ارتدوا عباءة ”قادة الرأي والفكر“!، لن ينتظر الناس صبيحة الغد ليختبروا الحي من الميت في قائمة الكتاب، لأن السرعة في النشر، والسرعة في الانتشار، سحبت حظوظهم من دائرة الاهتمام.

هذه ليس مرثية لمن خسروا أوسيخسرون مواقعهم في القريب، بل هي رواية مرفوعة بسند صحيح عن تحولات الإعلام الجديد، والذي وهب كل الناس امتيازات الكتابة، وفتح الآفاق لهم ليزاحموا بالركب من علا كعبه أو انخفض في صناعة الرأي والتأثير في الرأي العام، لم تتغير اللغة وحدها، ولا الوسائط، بل تغيرت خارطة الفاعلين في هذه الصناعة، حيث الكتابة باتت أخف من أي شيء آخر، يذهب إليها الناس كلما شاءوا تفقد حريتهم في الكلام.

والمحصلة أن البعض حاول الاستدراك، وراح يتدرب على الركض برشاقة في الفضاءات الجديدة، والبعض الآخر مازال مستمرا في الكتابة لنفسه، وللمكافأة التي يخشى أن تتعثر يوما على عتبة الانكماش وتقليل المصروفات، ولن يكون أمامهم غدا إلا الوقوف على الأطلال، ورواية سيرة مقالاتهم القديمة لأحفادهم قبل النوم.

وبس.