آخر تحديث: 21 / 7 / 2024م - 10:33 م

في الصفحة 188

أثير السادة *

وأنا أستمع لصوت الخطيب المفوه وهو يترافع في واحدة من سجالات عاشوراء، عبرت من ذاكرتي خواطر لا ساحل لها حين راح يذكر الحضور برقم الصفحة من الكتاب الذي جلب الكثير من الضوضاء حول صورة العباس، سافرت إلى محطات بلا عد كنت أتسمر فيها في زوايا الحسينيات فيما قميص الخطيب مفتوح على كل جراحات التاريخ، يقلب الخلافات العقدية أو الفقهية أو التاريخية على بطنها وظهرها، يقيم الحجة على هذا الراوي، وذاك المؤرخ، ويطرح قول ذاك العالم، وتلك الطائفة، ونحن نكبر بين هذه السجالات، التي يكفينا فيها نبرة الثقة، التي تتسلل بين الأحبال الصوتية، وتلك الكتب وأرقام الصفحات التي تشير إلى مكان الدليل القاصم، حيث لا مكان في مخيلتنا عندها لإمكان الرد والدحض بعد الاجهاز الكلي الذي تكفل به الخطيب.

الخطيب الذي يبحر برشاقة في هذا الموسم قياسا بطابور طويل من الخطباء لا يبتعد كثيرا في هواجسه وطرق الحجاج الذي يعتمده عن صور الأمس التي مازالت ترى في إيجاد ثلمة في بناء أو رؤية أو مؤلف هي كافية لهدم كل هذا البناء من قواعده، هو ذات الانشغال وذات الأدوات التي لا يتسع المقام ولا المقال في لحظة الخطابة لسواها، فمشهد الاثبات والنفي يطغى على رغبة الفهم والتفسير، هي ذات التكنيكات اللغوية التي تذهب إلى ”نفي دليل“ لإثبات دليل آخر، عبر تحصين الأسماء والوجوه وجعل ذلك ذرائع للامتداد في مساحة الثقة، فليس بالإمكان الخروج بهذه السهولة من عباءة ”الثقة“ والدخول في لعبة الشك التي تخرجنا من الاستغراق في الأشخاص إلى الاستغراق في بنية الأفكار!.

باب الثقة المفتوح على مصراعيه سيلجم الكثير من محاولات النقد التاريخي، فهذا الزمن المختزل في جمال صورة هذا الراوي وذاك العالم يراد منه أن يختصر كل المشي على طريق البحث في متاهات التاريخ، هو عنوان راحة لمن لا يريد أن يوقظ المزيد من الأسئلة، وعنوان تحدٍ لمن يريد أن يعيد النظر في هندسة النص واكتشاف عطشه الدائم للدلالات، ونص بكثافة نص عاشوراء به من سطوة التآويل والخيالات والآمال التي سكنت في دفاتر منتجي هذا الخطاب وخواطرهم.

هذا الانزياح الدائم ناحية النص الشعبي هو ما يجعل من مراجعة النص العاشورائي ضرورة، علينا أن نصغي لصوت الجغرافيا والتاريخ والاجتماع في تلك الأخبار التي تؤسس لشكل وجودنا الاجتماعي قبل تمثلاتنا الثقافية والدينية، يكفي أن نحيا في هذا العالم ونرى لنجد ”القرائن“ التي تهبنا الشك والشك والشك، فكربلاء ليست حادثة انتهت، وعاشوراء ليست سؤالا ميتا، هي امتداد لرؤى الناس عن وجودها وتصوراتها عن ذاتها، والتي لا فكاك من تأثرها بواقعها ومايثيره من أسئلة وإشكالات.

أنا المولود ما بين ”حلال المشاكل“ و”سفرة أم البنين“ لا أجد حرجا في أخطاء الذاهبين إلى حدود السؤال، فحتى أخطاؤهم هي ضوء على طريق البحث، والكشف، وهي ما يهب الآخرين شجاعة لإعادة النظر وإعادة التفكير، وإعادة التموضع في مشهد الدفاع عن جملة الأفكار والتصورات التي نحرسها ونريد منها أن تحرسنا كحقيقة في وحشة التآويل المتكاثرة.