الاستجابة الهابيلية في الحياة الباقرية
ماذا لو قال لك أحد الجاهلين: يا كلب بن كلب. ماذا سترد عليه؟
أعلم أن السؤال صادم جدا، وأنك قد لا تمتلك أعصابك، فتجهلَ «فوق جهل الجاهلينا». لكن هذا ما حدث فعلا للشيخ نصير الدين الطوسي، ونقله لنا التاريخ، كما في فوات الوفيات لمحمد بن شاكر؛ حيث يذكر أن ورقة وردت للشيخ من شخص، كان من جملة ما فيها: يا كلب بن كلب. أي أنها مليئة بالسباب والشتائم والبذاءات. فماذا كان جواب الشيخ؟
يقول التاريخ: فكان الجواب: أما قولك «يا كذا» فليس بصحيح، لأن الكلب من ذوات الأربع، وهو نابح طويل الأظفار، وأما أنا فمنتصب القامة بادي البشرة عريض الأظفار ناطق ضاحك، فهذه الفصول والخواص غير تلك الفصول والخواص. وأطال في نقض كلما قاله. هكذا رد عليه بحسن طوية وتأن غير منزعج، ولم يقل في الجواب كلمة قبيحة.
الاستجابة الهابيلية كما ذكرنا في مقال الأمس هي المتجسدة في سلوك هابيل مع أخيه قابيل، والذي بينه القرآن الكريم في قوله تعالى على لسان هابيل:
﴿لَئِنْ بَسَطْتَ إِلَيَّ يَدَكَ لِتَقْتُلَنِي ما أَنَا بِباسِطٍ يَدِيَ إِلَيْكَ لِأَقْتُلَكَ إِنِّي أَخافُ اللَّهَ رَبَّ الْعالَمِينَ﴾ المائدة: 28.
ويمكن أن نحدد مواصفات الاستجابة الهابيلية بأنها:
1 - رد فعل موزون بدقة، وليست انفعالا عابرا طائشا.
2 - تنطلق من إطار مرجعي من القيم والمبادئ، وليس من الحالة الآنية اللحظية.
3 - تسعى ما أمكن للوصول إلى حالة الكسب المشترك win/win لكلا الطرفين، بدلا من كسب أحد الطرفين على حساب الآخر، أو خسارة الجميع. هذا في حال وجود طرفين، أو تسعى لكسب الذات وعدم خسارتها في المواقف تجاه الأحداث الخارجية التي ليس فيها طرف آخر، كالموقف عند فقد عزيز مثلا.
لنأخذ موقفين من الاستجابة الهابيلية من حياة الإمام محمد بن علي بن الحسين
الملقب بالباقر، والمكنى بأبي جعفر، المولود سنة 57 هـ والمتوفى سنة 114 هـ. ولنتأمل في رد الفعل الباقري كي نتأسى به في حياتنا العملية.
الموقف الأول:
يقول الراوي: قال له نصراني: أنت بقر؟ قال: لا، أنا باقر، قال: أنت ابن الطباخة؟ قال: ذاك حرفتها، قال: أنت ابن السوداء الزنجية البذية، قال: إن كنت صدقت غفر الله لها، وإن كنت كذبت غفر الله لك، قال: فأسلم النصراني.
الموقف الثاني: يتعلق برد الفعل تجاه حادثة موت ابنه العزيز على قلبه.
يقول الراوي: كَانَ قَوْمٌ أَتَوْا أَبَا جَعْفَرٍ
فَوَافَقُوا صَبِيّاً لَهُ مَرِيضاً، فَرَأَوْا مِنْهُ اهْتِمَاماً وَغَمّاً، وَجَعَلَ لَا يَقِرُّ. قال: فَقَالُوا: وَاللَّهِ لَئِنْ أَصَابَهُ شَيْءٌ إِنَّا لَنَتَخَوَّفُ أَنْ نَرَى مِنْهُ مَا نَكْرَهُ.
قَالَ: فَمَا لَبِثُوا أَنْ سَمِعُوا الصِّيَاحَ عَلَيْهِ، فَإِذَا هُوَ قَدْ خَرَجَ عَلَيْهِمْ مُنْبَسِطَ الْوَجْهِ فِي غَيْرِ الْحَالِ الَّتِي كَانَ عَلَيْهَا.
فَقَالُوا لَهُ: جَعَلَنَا اللَّهُ فِدَاكَ لَقَدْ كُنَّا نَخَافُ مِمَّا نَرَى مِنْكَ أَنْ لَوْ وَقَعَ أَنْ نَرَى مِنْكَ مَا يَغُمُّنَا.
فَقَالَ لَهُمْ: إِنَّا لَنُحِبُ أَنْ نُعَافَى فِيمَنْ نُحِبُّ، فَإِذَا جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ سَلَّمْنَا فِيمَا أَحَبَّ.
لقد قدم الإمام الباقر
هدية قيمة لتلميذه جابر بن يزيد الجُعفي، وهي عبارة عن خمس وصايا تمثل الأساس وخريطة الطريق للاستجابة الهابيلية. يقول
لجابر:
وَأُوصيكَ بِخَمسٍ: إنْ ظُلِمتَ فلا تَظلِمْ، وإنْ خَانوكَ فلا تَخُنْ. وإنْ كُذِّبتَ فَلا تَغْضَب، وإنْ مُدِحتَ فلا تَفرَحْ، وإنْ ذُمِمْتَ فلا تَجزَعْ. وَفَكِّر فيما قِيلَ فيكَ، فإنْ عَرَفتَ مِن نَفسِكَ ما قِيلَ فيكَ، فسُقُوطُكَ مِن عَينِ اللَّهِ جَلَّ وَعَزَّ عِندَ غَضَبِكَ من الحقِّ، أعظَمُ عَلَيكَ مُصيبَةً مِمَّا خِفْتَ مِن سُقوطِكَ مِن أعيُنِ النَّاسِ، وإنْ كُنتَ عَلى خِلافِ ما قيلَ فِيكَ، فثوابٌ اكتَسبْتَهُ مِن غَيرِ أنْ يَتْعَبَ بَدَنُكَ.
إذن إذا أردنا أن لا ننفعل انفعالا غير متوازن، فعلينا أن نفكر بطريقة متوازنة، فلا يهمنا كثيرا ما يقوله الناس فينا مدحا أو ذما، بل المهم أن نعرف كيف نحن عند الله تعالى وفي حضرته.
أرجو أن لا نمر على هذه الوصايا مرور الكرام، فكل عبارة منها تحتاج لتأمل عميق.














