آخر تحديث: 20 / 7 / 2024م - 12:38 ص

دلالات انقباض مؤشر تكلفة المعيشة

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة مال الإلكترونية

من الظواهر الاقتصادية المستجدة إنكماش مؤشر تكلفة المعيشة؛ حيث انكمش أربعة أعشار من واحد بالمائة في يناير من هذا العام، واستمر شهراً بعد شهر، وفي شهر أكتوبر المنصرم، تراجع المؤشر عُشرَين من الواحد بالمائة، وشمل الانخفاض النقل بنسبة 1,0 %، وتأثيث وتجهيزات المنزل وصيانتها بنسبة 0,4%، والاغذية والمشروبات بنسبة 0,3 %، والمطاعم والفنادق بنسبة 0,2%، والملابس والاحذية بنسبة 0,1 %، والسكن والمياه والكهرباء والغاز وأنواع الوقود الاخرى بنسبة 0,1 %. وفي المحصلة فإن المؤشر تراجع 3 أعشار من واحد بالمائة بين أكتوبر 2016 وأكتوبر 2017.

انكماش الأسعار هو عكس تضخمها، لكن ما التضخم؟ هو ارتفاع أسعار السلع والخدمات، ما يؤدي إلى تراجع القيمة الشرائية للعملة، فيضطر المستهلك أن يدفع مالاً أكثر عما دفعه قبلاً لاقتناء سلعة أو خدمة، والعكس بالعكس، فانكماش الأسعار هو تراجعها، ما يعزز القيمة الشرائية للعملة. فهل هذا يعني أن الانكماش في الأسعار في أشهر هذه السنة أمر إيجابي؟ انكماش الأسعار - صدق أو لا تصدق - أمر غير محبذ اقتصادياً، ففيما عدا حالاته الطفيفة وذات الصلة بالسلع الضرورية كالمأكل والمشرب، فالانكماش يعني «خمول» الاقتصاد وافتقاده الحيوية.

ولذا فإن - كذلك صدق أو لا تصدق - شيئاً من التضخم مطلوب للحفاظ على حيوية الاقتصاد، بل هو مؤشر على نموه، إذ يعكس تنامي الطلب على السلع، ولذا ترتفع أسعارها. وبتعبير أدق: "نمو مصحوب بتضخم أفضل من ركود مصحوب بانكماش الأسعار، وفتور في الأسواق، وتراجع في قيمة الأصول! إذاً «النمو» هي كلمة السر، التي تجعل الموازين معتدلة، والأسواق نضرة متوثبة.

في وقت الركود الاقتصادي، كوقتنا الراهن الذي نعيش فيه، هناك مدرسة تقول أن تسارع الحكومة لضخ المزيد من السيولة، طمعاً في حفز الطلب ومنع الركود من أن يتحول إلى كساد.

لنأخذ ما الذي فعلته المملكة والعديد من دول العالم المتقدم اقتصادياً إبان الأزمة المالية العالمية، من إطلاق برامج لتحفيز النمو. فما الذي تغير الآن؟ ولم لا نطلق برنامجاً للحفاظ على الطلب؟ لا أقول أن نطلق ذات البرنامج «المضاد للدورة» بذات الزخم، ولكن على أقل تقدير «فتح الصنبور" بما يكفي لحفز الانفاق الخاص.

وما يبرر هذا المقترح أن «الطلب الخاص» «إجمالي ما تنفقه كل الأسر في المملكة» وحده لن يقيم أود الاقتصاد السعودي، فهو يمثل نحو 35 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، ومع ذلك فإن الأسر تعيش - فيما يبدو - حالة توجس، وبالتالي إحجام عن الانفاق، وهذا سلوك نمطي في الاقتصاد الذي يعايش انكماشاً في الأسعار.

أما المحذور فأنه يؤدي - إذا ما استمر - إلى التأثير سلباً على النمو الاقتصادي، بسبب تأجيل قرارات الشراء بانتظار هبوط الأسعار مستقبلاً، فيتراجع الطلب على السلع والخدمات والعمالة، ويدخل الاقتصاد في أتون كسادٍ، وفي حالةٍ من ”الحَرَنّ“ لا يخرج منها إلا بصعوبة، وهذا يعني وقتاً، وهو السلعة التي لا نملك منها الكثير؛ فبين أيدينا ”رؤية المملكة 2030“ وعلينا تحقيق مستهدفاتها في الوقت المحدد وبالقدر المحدد.

ولعل من المبرر الزعم أن المناخ الذي تناولته الفقرة السابقة، لا ينسجم مع ما تسعى الرؤية لتحقيقه من نمو وازدهار. المناخ السائد حالياً يعمل في اتجاه يدفع الأسر لتقليص نفقاتها قدر الإمكان والادخار تحسباً لأي طوارئ ومفاجآت، ويجعل القطاع الخاص يتحوط في انفاقه الجاري والاستثماري، وفي المحصلة تلتبس الاقتصاد حالة من الترقب!

كاتب ومستشار اقتصادي، رئيس مركز جواثا الاستشاري لتطوير الأعمال، عضو سابق في مجلس الشورى