آخر تحديث: 20 / 7 / 2024م - 12:38 ص

البحث عن 140 مليار ريال

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة مال

لسنوات، بذلت المملكة جهوداً مضنية لاستقطاب الاستثمار الأجنبي، ليس لمجرد الطمع في المال بل لما يمكن أن يجلبه المستثمرون الأجانب بالإضافة لأموالهم من فرص توظيف للمواطنين، وفرص تصديرالمنتجات المحلية، وفرص لأرباب المنشآت الصغيرة والمتوسطة، وفرص لتنويع الاقتصاد المحلي بما يؤدي لانتعاشه ومن ثمة نموه.

وتزامناً مع إطلاق صندوق الاستثمارات العامة ”مبادرة مستقبل الاستثمار“ في الرياض اليوم وعلى مدى ثلاثة أيام، يبدو أن الأمر سيتجاوز مؤتمراً تُدبج فيه الكلمات، فالمملكة - وفقاً للرؤية السعودية 2030 - تستهدف استقطاب تدفقات استثمار أجنبي مباشر توازي قيمتها5,7 بالمائة من الناتج المحلي الإجمالي، أي ما يقارب 140 مليار ريال «~37 مليار دولار» باعتبار حجم الاقتصاد السعودي حالياً. وهو ما يفوق المعدل الحالي لصافي تدفقات الاستثمار الأجنبي بأكثر من 18 ضعفاً. وأمام الاقتصاد السعودي حتى العام 2030 للتدرج وصولاً للهدف «5,7%».

ماذا يمكن أن يجلب الاستثمار الأجنبي لاقتصادنا مستقبلاً؟ الأمر يتسع لكثيرٍ من التنظير، لكن لنترك ذلك كله، ولنعدل السؤال: ماذا قدم الاستثمار الأجنبي لاقتصادنا في الماضي؟ حرّيٌ بنا التذكير أننا لا زلنا نعيش في أهم صفقة استثمار أجنبي مباشر عقدتها المملكة بعد مضي نحو ثمانية أشهر على تأسيسها، وتحديداً في 29 مايو العام 1933، وهي الاتفاقية التي وقعها الملك المؤسس عبدالعزيز بن عبدالرحمن آل سعود، للتنقيب عن البترول بين حكومة المملكة وشركة ستاندرد أويل أوف كاليفورنيا، وفي 4 مارس العام 1938 بدأت البئر رقم 7 بإنتاج 1,585 برميل في اليوم. كانت تلك البذرة التي انفلقت منها الشركة العملاقة أرامكو، التي بدأت كشركة أمريكية ثم اشترتها الحكومة السعودية لاحقاً. تلك البذرة كانت نتيجة لسعي حثيث لتطوير الاقتصاد المحلي بالتعاضد مع الخبرة والتقنية والتمويل وأسواق التصدير التي يملكها المستثمرون العالميون. وكلنا نعرف بقية القصة.

في يومنا الحاضر، التحدي يكمن في إنجاز أهداف الرؤية السعودية 2030، والتي تترجمها برامجها الاثني عشرة بأهدافٍ كمية تسعى حثيثاً لتطوير الاقتصاد المحلي بالتعاضد مع الخبرة والتقنية والتمويل وأسواق التصدير التي ما برح يمتلكها المستثمرون العالميون. لكن هذه المرة ليست للتنقيب عن النفط، بل لاستخراج القيمة الكامنة في مزايا نسبية احتضنها مجال الجغرافيا السعودية، مثل الموقع المميز بين ثلاث قارات وما يعنيه ذلك لقطاعات مثل الترفيه والمناولة اللوجستية والأنشطة القطاعية التقليدية مثل الصناعة التحويلية على سبيل المثال لا الحصر.

وهكذا، فالبداية الأولى التي انطلقت بعد أشهر من تأسيس المملكة، أدت لتنويع اقتصادٍ عماده الرعي والزراعة وصيد اللؤلؤ، ليصبح أكبر اقتصاد في المنطقة العربية وضمن مجموعة أكبر 20 اقتصاد عالمي، وتحققت بعد توفيق الله بتوفر موارد تنقصنا من خلال شراكات أجنبية. واليوم، وبعد مضي 84 عام، فالانطلاقة الحالية هي لتحقيق الرؤية 2030، وهي تمرّ بالضرورة عبر الشراكات الاستراتيجية مع شركاء عالميين قادرين على إحداث الفرق الجوهري لصالح الاقتصاد السعودي. ونظراً لجسامة الأمر، فقبل الاستثمار في مؤتمر حاشد تحتضنه الرياض، كان هناك تحضير وتجهيز واستثمار على أعلى مستوى للوصول لشراكات استراتيجية مع أهم اقتصادات العالم على المستوى الرسمي الحكومي وعلى مستوى الشركات الكبرى في تلك البلدان، لتتعاضد الجهود وتتوحد التوجهات والمصالح الاقتصادية، وينتج عنها تدفقات استثمارية ذات أثر، تولد فرص توظيف وفرص استثمار محلية وتشحذ عجلة النمو الاقتصادي، وتولد مكاسباً لكل من يساهم فيها.

كاتب ومستشار اقتصادي، رئيس مركز جواثا الاستشاري لتطوير الأعمال، عضو سابق في مجلس الشورى