آخر تحديث: 19 / 6 / 2024م - 9:01 م

المسؤول والتصدي لقضايا المواطنين

جعفر الشايب * صحيفة اليوم

حدثان بارزان في المنطقة الشرقية خلال الأسبوع الماضي، تصدى لهما أمير المنطقة سمو الأمير سعود بن نايف بكل وضوح ومسؤولية، الأول تصريحه بأنه يتحمل كامل مسؤولية ما جرى في المنطقة من مشاكل نتيجة فيضانات مياه الأمطار التي عصفت بالمنطقة خلال الأسابيع الماضية، والثاني رعاية ومشاركة سموه في ملتقى «التعايش ضرورة شرعية ومصلحة وطنية» الذي أقيم في الأحساء، وكلاهما له من الأهمية والمعاني الشيء الكثير للمجتمع وللوطن.

في اجتماعه مع عدد من مسؤولي المنطقة - الأمانة، الشرطة، الدفاع المدني، النقل، المياه، الكهرباء - للاطلاع على الوضع الميداني بعد الأمطار التي شهدتها المنطقة مؤخرا، أكد سموه «أن المواطن له الحق أن يعرف ما جرى، وأننا اجتمعنا اليوم ليس للتبرير، بل اجتمعنا اليوم لمعرفة تفاصيل الأمور». وأضاف: «سنستمع للجميع لنعلم ماذا حدث، ونبلغ إخواننا وأبناءنا المواطنين بكل ما يهمهم، وسننظر للأمور التي فيها قصور، وما الجهة المسؤولة عنها؟»

تصدي سمو الأمير - بصفته الحاكم الإداري في المنطقة وأعلى مسؤول فيها - يوجه درسا كبيرا لكل مسؤول معني بمتابعة قضايا المواطنين وتلمس مشاكلهم وقضاياهم، بدلا من الابتعاد وعدم مواجهة الحقائق وضعف المساهمة الفعالة في إيجاد المعالجات والحلول. ومع الأسف فإن بعض المسؤولين يبحثون دوما عن تبريرات لتقصير أجهزتهم بدلا من المواجهة المباشرة للمشكلة والتصدي لها، وهذا ما يجعل مثل هذه المشاكل تتراكم وتتعقد يوما بعد يوم.

هذا الموقف الواضح والصريح من سموه تبعته إجراءات تتعلق بمساعدة المتضررين من فيضان مياه الأمطار عبر تقديم طلباتهم وشكاواهم لإمارة المنطقة الشرقية، كي تقوم بدورها في مساعدتهم. ولعله من المؤمل أيضا أن تعقد جلسات بين مختلف الجهات المعنية لمعرفة الخلل القائم والعمل على معالجته لئلا يتكرر في المستقبل، فهناك حاجة ضرورية للتنسيق بين الجهات المعنية ومحاسبة المقصرين منهم.

كما أننا في أمس الحاجة إلى بلورة خطة مستقبلية واضحة بحيث يتم تحديد المواقع الأكثر خطورة، والقيام بوضع الاستعدادات اللازمة لحماية الناس والممتلكات من أي مشكلة متوقعة مستقبلا. فذلك هو الترجمة الفعلية لتصريح سمو الأمير بحيث تتحمل كل جهة مسؤوليتها بوضوح.

من ناحية أخرى، جاء انعقاد ملتقى «التعايش ضرورة شرعية ومصلحة وطنية» الذي أقيم بجامعة الملك فيصل بالأحساء بهدف «تعزيز العيش القائم على الاحترام والتقدير للتنوع الثقافي والمذهبي» - حسب ما ورد على لسان رئيس مجلس أمناء مؤسسة «قبس» المنظمة للمؤتمر، «في ظل الظروف والأحداث التي حصلت في عدد من المناطق بتأثير من عوامل ومؤثرات خارجية هدفت إلى إشعال الفتنة الطائفية في بلادنا».

وما من شك أن هناك حاجة ملحة وضرورية لإقامة هذا الملتقى، وفي هذا الوقت بالذات، وأن عقده في الأحساء - المعروف عنها تاريخيا بأفضل نماذج التعايش المجتمعي - تعطيه قيمة إضافية كبيرة. هذه الحاجة برزت أكثر في ظل التطورات المحلية والإقليمية التي قدمت لنا دروسا مهمة في ضرورة تعزيز التماسك الداخلي واللحمة الوطنية، ومواجهة كل ما يعترضها من توجهات متطرفة أو شحن طائفي ومذهبي.

إن المسؤولية الوطنية تحتم علينا جميعا تلمس مشاكلنا ومراكز الخلل التي قد تصيب مجتمعنا، ومواجهتها بكل وضوح وشفافية وثقة، بدلا من الوقوف أمامها متفرجين أو عدم إعطائها الاهتمام المطلوب. ذلك ما يتيح أمامنا فرص المعالجة والبحث عن الحلول الحقيقية التي تقطع الطريق أمام أي طرف لا يدرك ولا يعي خطورة مثل هذه التوجهات الأحادية والأفكار الاقصائية الضيقة. إن المجتمع السعودي بطبيعته متنوع على مختلف الأصعدة، والقبول بهذا التنوع والاختلاف عبر برامج ومشاريع وطنية مشتركة هو ما يحقق الألفة والسلم بين مكونات المجتمع، ويساهم في تضييق مناطق الخلاف وجعلها ضمن حدودها الطبيعية. ومما لا شك فيه أن هناك توجهات متشددة مستوردة غزت بعض مناطقنا وخلقت توترات اجتماعية داخلها تحت عناوين ومسميات متعددة، وكان لذلك آثار سلبية واضحة وكبيرة على التواصل والتلاحم المجتمعي والوطني - وهو ما عبر عنه بعض المتحدثين في جلسات الملتقى بصورة واضحة -.

لقد برزت في الملتقى نماذج وتجارب اجتماعية في التعايش ليس في منطقة الأحساء وحسب بل في مناطق عديدة في المملكة، - كما ورد في كلمات المشاركين - حيث استعرضت تجارب نموذجية من المدينة المنورة ونجران وغيرها، مما يعني أن المجتمع السعودي في مختلف مناطقه عاش تجارب من السلم الأهلي بعيدا عن التجاذبات المتشددة لعقود طويلة. وعلى الصعيد العملي، جاءت توصيات الملتقى العشر مماثلة لما سبقها من توصيات ومقترحات قدمت في لقاءات سابقة في مركز الملك عبد العزيز للحوار الوطني وغيره من الملتقيات الوطنية. والتحدي القائم هو كيفية تحويل هذه التوصيات وما سبقها إلى برامج عملية تنعكس على المزيد من التشريعات والممارسات الإيجابية التي تعزز منهج التسامح والتعايش المجتمعي.

وأخيرا فإن مثل هذه الملتقيات ينبغي أن يتكرر إقامتها في مختلف مناطق المملكة بصيغ مختلفة يشترك فيها الرسمي مع الأهلي، للمساهمة في نشر ثقافة التسامح والاعتراف بالآخر والقبول به والتعايش معه.