آخر تحديث: 19 / 6 / 2024م - 9:01 م

التعدد الواحد

محمد العلي * صحيفة اليوم

من يقرأ ديوان طاغور «قرابين الغناء» ويقرأ كتاب أبي حيان التوحيدي «الإشارات الإلهية» يتجول في حديقة زاهرة تسمى: قرابين الغناء، وفي غابة كثيفة تسمى: الإشارات الإلهية.. ذلك لأن ديوان طاغور ذو بعد واحد، أما كتاب أبي حيان فذو أبعاد متعددة، وقد أبدع العلامة عبدالرحمن بدوي في تقييمها:

يقول أبو حيان:

«يا هذا افحص عن ودائع الحق فيك، وانفض خزائنه قبلك، واشهد آلاءه عندك، واطلب مزيده بالشكر على ما نولك».

ويقول طاغور:

«حينما العقل بلا مخاوف والرأس مرفوع عاليا، حيث المعرفة حرة، حيثما جدول السببية لم يفقد مجراه الى صحراء الرمال من العادات البالية، الى جنة الحرية يا أبي، دع بلادك تستيقظ».

لا أريد المقارنة بين الإبداعين الروحيين، فالفارق بينهما بطول ليل امرئ القيس، ولكني حين قرأت التوحيدي وقفت على غربته الحادة الضاربة، وعلى قليل من الصفاء، أما حين قرأت طاغور فقد وقفت طويلا على هذا الصفاء في قوله: «حيثما جدول السببية لم يفقد مجراه إلى صحراء الرمال من العادات البالية».

هذا الكلام المضيء يفتح أمامك نافذة واسعة تطل منها على المشاكل الفردية والجمعية فتراها ناتجة عن فقدان جدول السببية مجراه.

خذ مشاكل الفكر البشري في مسيرته المعرفية، معرفة حقائق الأشياء، تجد أن فقدان جدول السببية مجراه هو الذي أوقع البشر في مستنقع الأخطاء: فمن الأجيال الأسطورية الشاسعة إلى الأجيال الفلسفية العديدة إلى الأجيال العلمية مترامية الأطراف في وقتنا الحاضر.. تجد أن تلك الأخطاء ناتجة عن فقدان السببية مجراها.

كل فعل لا تكون السببية جذره هو فعل عبثي، وكل فكر يبني أهرامه على غير السببية هو خيال زائف، وكل اعتقاد لا يقوم على «اليقين الذاتي» لا التقليد هو اعتقاد زائف.

ترى، ما السببية التي نعنيها هنا؟

أعني السبب الواقعي الموضوعي لا السبب المختلق، فالإنسان، بدافع من رغباته وأوهامه، يخلق أسبابا وهمية، ولذلك تعتبر تلك الأسباب المشتهاة تقود صاحبها إلى الهاوية.

إن السارق يضع لفعله الأسود أسبابا بيضاء، والطاغية يضع بالقوة لأفعاله السوداء أسبابا تحمل الشمس في يمينها والقمر في الشمال، أما الضحية في كل ذلك فهي القيم الأخلاقية والقانونية.

كاتب وأديب