آخر تحديث: 23 / 6 / 2024م - 1:15 م

السيد ليفريس.. شكراً لثقتِكَ بشبابنا

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة اليوم

مَثَلَ المملكة في ملتقى دافوس وفد رسمي رفيع، وقد تابعنا جميعاً جانباً من الندوات واللقاءات ذات الصلة. وقد انتشرت مقاطع عدة حظيت بجماهيرية، وما لفت نظري مقطع لرئيس مجلس إدارة شركة «داو كميكال» الأمريكية، السيد أندرو ليفريس، تحدث فيه بإعجاب جم عن إمكانيات الشباب السعودي، وكيف أنه أخذ مئاتٍ منهم لمصانع شركته العملاقة في انحاء العالم، ورغِبت تلك المصانع في إبقائهم. وتجدر الإشارة الى أن شركته تمتلك مناصفة مع أرامكو السعودية شركة «صدارة»، حيث يبلغ حجم استثمارات المشروع الإجمالية حوالي 75 مليار ريال. إذاً، فالرجل مستثمر ويراهن بأموال شركته وتقنياتها وسمعتها، وفوق ذلك فللسيد ليفريس سمعة عالية في الصناعة، اكسبته احتراماً وثقلاً في دوائر الصناعة أمريكياً وعالمياً. ولا تفوتني الإشارة إلى أن الرئيس الأمريكي «ترامب» كان قد رشحه ليرأس المجلس الاستشاري للصناعة، وقد قبل السيد ليفريس الترشيح. وسبق ان سمعت السيد ليفريس في عددٍ من المناسبات يتحدث بحماس آسر عن صدارة وعن الموارد البشرية السعودية، كان آخرها إبان زيارة الملك سلمان بن عبدالعزيز آل سعود - يرعاه الله - للجبيل قبل أسابيع، وكان السيد ليفريس واثق العبارة واضح البيان. لمَ أقول كل هذا؟ ففي الحين الذي يكيل السيد ليفريس المدح والثناء من «دافوس» لشبابنا، كنا محلياً نتابع تسريح شركات من القطاع الخاص لمواطنين لسببٍ أو لآخر! وخرج من يصم آذاننا بحرية الفصل والتوظيف!

وعلى مدى سنوات طويلة أدرس سوق العمل السعودية عن كثب، لا أجد سبباً رئيسياً لما تعانيه سوق العمل يمكن إرجاعه للعامل السعودي، بل نجد أن سوق العمل تعمل من خلال تبادلية متعبة، هي تبادلية «الاستقدام والاحلال»، فأحياناً يسود الحديث عن «الاحلال» كل شيء كما كان قبل عشرين عام مضت مع صدور القرار 50 للعام 1415 هـ ، والمشهور بقرار «السعودة»، وكان ينص على رفع مساهمة العمالة السعودية بنسبة 5% سنوياً. وفي أوقاتٍ أخرى تفتح صنابير «الاستقدام»، كما نعايش حالياً، فقد اشتدت وتيرة الاستقدام على مدى السنوات الست الماضية حتى تجاوز ما صدر من تأشيرات للقطاع الخاص، من دون العمالة المنزلية والتأشيرات الموسمية مليونين «نعم، اثنان مليون» تأشيرة عمل في عامٍ واحد، وبلغ المتوسط الشهري للسنوات الخمس من 2011 - 2015 ما يزيد على 130 ألف تأشيرة عمل!

ويبدو أننا، ولمصلحة التخفيف من تشوهات سوق العمل السعودية، بحاجة للموازنة والتناسق والتكامل بين سياستي الاحلال والاستقدام، حتى لا تُلغي إحداهما الأخرى أو الواحدة منهما الأخرى أو تناقضها جزئياً أو كلياً، فكما شهدنا خلال الأعوام القليلة الماضية أن التوسع في الاستقدام أثر على الاحلال بل مما أدى في المحصلة إلى ارتفاع مطرد في معدل البطالة حتى وصل إلى 12.1%، جل العاطلين من حملة المؤهلات الجامعية وما فوق الجامعية! وهناك من سيحدثنا - من فوق برج عاجي جداً - عن مواءمة التعليم وعن التأهيل، في حين أن السبب الأقرب لعدم استيعاب السوق للسعوديين هو «ضمور» سياسة الاحلال من جهة و«تغول» سياسة الاستقدام من جهة أخرى! وأقول «تغول» بسبب أن الاستقدام استعر لدرجة أدى معها «الاستقدام الجائر» لإغراق سوق العمل السعودية بعمالة وافدة تنافس الداخلين الجدد «لأول مرة» من المواطنين والمواطنات لسوق العمل، بما يؤدي لمزاحمتهم وبالتالي عدم توظيف شريحة واسعة منهم نتيجةً لفارق الأجر كسبب أساس، مما لا يدع مجالاً لقبول حتى من يدفع بشبهة «عدم موءامة مخرجات التعليم لمتطلبات سوق العمل»، التي لم تكن صادقة قط، وقد كتبت في هذا منذ سنواتٍ طويلة، إذ يبدو أنه لا يوجد - عملياً وتطبيقياً وليس على مستوى التعليمات والتعميمات - سقف أو حد أو ضابط لعدد التأشيرات التي يجب أن تَصدر، فعدد 130 ألف تأشيرة عمل للقطاع الخاص تفيض حتى عن حاجة أكبر اقتصاد في العالم كاقتصاد الولايات المتحدة الأمريكية، الذي يولد شهرياً نحو 150 ألف وظيفة! فكيف لا «يغرق» الباحثون السعوديون عن عمل في تلك البحيرة الهائلة من التأشيرات! إذاً، لا مفر من الموازنة الدقيقة المحسوبة بميزان ذري بين الاستقدام والاحلال، وجعل سياسة الاستقدام تابعة لسياسة الاحلال وليست مستقلة عنها، وإلا فلن تنحسر البطالة.

كاتب ومستشار اقتصادي، رئيس مركز جواثا الاستشاري لتطوير الأعمال، عضو سابق في مجلس الشورى