آخر تحديث: 23 / 6 / 2024م - 1:15 م

مُلابسات حكاية «الصياد الماهر والطُعم النادر»!

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة اليوم

تصدح في خاطري قصة «الصياد الماهر والطُعمّ النادر»، لعل مرد ذلك ما جعلته بعض منشآت القطاع الخاص عندنا طُعما مضادا للسعودة عُرِّفَ ب «السعودة الوهمية»؛ أن توظف المنشأة المواطن صوريا لترتقي في «نطاقات» بما يمكنها من الحصول على تأشيرات للاستقدام، ويؤهلها للاستفادة من كل «الكاش» الممكن عبر برامج صندوق تنمية الموارد البشرية! الآن، هناك من يريد اقناعنا أن البطالة العالية أمر عادي، وأن الاعتماد المتزايد على العمالة الوافدة أمر عادي، وأن الاستقدام بوتائر هائلة كذلك أمر عادي!

يمثل الوافدون نحو 60% من عدد المشتغلين في السعودية، ومع ذلك فمعدل بطالة السعوديين مرتفع «12.1%»، ولم يشفع لها أن منها 58% حملة بكالوريوس و7% دبلوم فوق الثانوية و27% حملة الثانوية أو ما يعادلها. أما وتائر الاستقدام فلا تكل ولا تمل؛ فمتوسط الاستقدام الشهري للسنوات الخمس 2011 - 2015 يتجاوز 130 ألف تأشيرة شهريا صدرت للقطاع الخاص باستثناء العمالة المنزلية والعمالة الموسمية. إذن، استقدام مرتفع وبطالة مرتفعة، ثم يقول قائل ألا علاقة بين الأمرين! كيف لا علاقة والعمالة المُستقدمة مقصدها سوق العمل، وأن العاطلين من السعوديين يقصدون ذات السوق ذا الأبواب الموصدة!

مفيدٌ بيان أن قوة العمل تشمل الموظفين لحساب الغير زائد العاملين لحساب أنفسهم زائد العاطلين عن العمل ممن لديهم القدرة والرغبة للعمل بين 16 - 64 عاما. ويتضح الأثر السلبي للبطالة في أكثر من مجال، منها أن العاطل يحسب ضمن قوة العمل على الرغم من أنه غير منتج، وهو بذلك يصبح موردا ليس مجمدا فحسب بل يُستهلك عبر الكِبَر في العمر دون عائد اقتصادي للمجتمع، وبذلك تتضاءل كفاءته نتيجة عدم ممارسته حاليا وعدم اكتسابه مهارات جديدة بحكم أنه عاطل. أما الحالة الأكثر إيلاما، فهي استئصال جزء من الرأسمال البشري نتيجة سفر عامل وافد ماهر مكث سنتين او ثلاثا، ليحل محله آخر غالبا يقل عنه خبرة وانتاجية. وهنا تتضح الأهمية العالية لنشاط الإحلال «وملازمة المتدرج السعودي للخبير الوافد والتدرج على يديه» في استقرار ومراكمة الاستثمار في الرأسمال البشري. وهذه ظاهرة لا مجال لكنسها تحت البساط، ذلك ان معظم العمالة الماهرة وافدة، وهذا أمر تثبته الإحصاءات، كما أن الإحصاءات تثبت أن اعتمادنا يتزايد مع مرور الوقت!

وفي الحالة السعودية، يمثل الإحلال، من الناحية النظرية على الأقل، مرتكزا لاستيعاب المزيد من المواطنين، وطلبا للتحديد يطرح السؤال: هل نجح الاقتصاد السعودي في الاحلال منذ صدور قرار مجلس الوزراء الموقر رقم 50؟ الإجابة لا. هناك مؤشرات تاريخية تبين أن برنامج الإحلال أخفق عندما ابتعد عن تحقيق التقليص المستهدف «في الخطط الخمسية المتتابعة» للعمالة الوافدة. وهناك قرائن قد تساهم في تفسير مقاومة إحلال السعوديين محل الوافدين في سوق العمل، منها أن متوسط أجر السعودي يتجاوز أجر نظيره الوافد بنحو أربعة أضعاف «متوسط أجر السعودي 4967 ريالا مقابل 1154 ريالا للوافد». وهكذا، يمكن الجدل أن أهداف الإحلال لن تتحقق طوعا، بل لابد، ضمن أمور اخرى، من التقتير في استقدام العمالة الوافدة مع استثناء العمالة الماهرة والعالية التأهيل وذات الخبرة لتمكين العمالة المحلية من ممارسة حقها المكتسب للعمل في وطنها من دون منافسة إغراقية تلحق ضررا بالاقتصاد الوطني، وبالباحثين عن عمل، وبالمشتغلين من المواطنين والمواطنات.

بغض النظر عن السؤال وإجابته، فالأهمية الحرجة للإحلال تُبرر إطلاق برنامج وطني يتكون من جملة عناصر متكاملة تؤدي في مجملها الى: خفض البطالة الوافدة كمًا من جهة، وزيادة نسبة المشاركة من جهة أخرى. وبرنامج من هذا النوع يجب أن يمتلك موارد تتناسب مع المكاسب المتوخاة، فنجاح البرنامج الوطني للإحلال في توظيف 500 ألف مواطن على مدى خمس سنوات، سيعني: 1. مكاسب اجتماعية هائلة، 2. تنمية رأس المال البشري بخبرات متراكمة، 3. توفير في التحويلات للخارج وبالتالي تعزيز ميزان المدفوعات لصالحنا، 4. تقليص ظاهرة التستر الطفيلية التي يقدر حجم «اقتصادها» بنحو 600 مليار ريال، 5. الارتقاء بالإنتاجية من حيث زيادة معدل المشاركة من جهة والانتقاء في الاستقدام وفق الحاجة فقط وعلى أسس اقتصادية، وسيؤدي كل ذلك في المحصلة لتعزيز المحتوى المحلي، وبالتالي القيمة المضافة.

كاتب ومستشار اقتصادي، رئيس مركز جواثا الاستشاري لتطوير الأعمال، عضو سابق في مجلس الشورى