آخر تحديث: 23 / 6 / 2024م - 1:15 م

المادة 77 بين الإحلال والاستقدام!

الدكتور إحسان علي بوحليقة * صحيفة اليوم

أنهت بعض مؤسسات القطاع الخاص خدمات موظفين سعوديين، وهناك من علق بأن اتباع الشركات لسياسة «التوظيف والفصل» حسب ظروف سوق العمل أمر مقبول مستدلًا بأنه متبعٌ في الاقتصادات المتقدمة! ولعل الوقت حان لمراجعة حازمة وحاسمة لسياستين محوريتين لطالما ساهمتا - ولا تزالان - تشقلبان سوق العمل السعودي، لكن قبل تناول ذلك لابد من إيضاح، فبغض النظر عن المادة 77 وأخواتها من نظام العمل، فإن الاشتراطات لم تتوافر بعد لاقتصادنا لتسليم مفاتيح «التوظيف والفصل» لمنشآت القطاع الخاص! فخزائن الاقتصادات المتقدمة تعتمد الخزانة العامة اعتمادًا تامًا على الضرائب التي تحصلها من القطاع الخاص أما هنا فما يدفعه القطاع الخاص للخزانة العامة على شكل زكاة وضرائب يقل عن 30 مليار ريال لقطاع خاص حجم انتاجه السنوي تريليون ريال. أما الأمر الثاني فأسواق العمل في الاقتصادات المتقدمة منضبطة فيما يتصل بمنح فرص العمل لغير المواطنين، فلا يقدمون عليها إلا اضطرارًا لما لذلك من تبعات ثقيلة؛ فمثلاً أحد أسباب خروج بريطانيا من الاتحاد الأوروبي رغبتها في الحفاظ على فرص العمل، وجزء مهم من برنامج الرئيس «ترامب» الاقتصادي يعتمد على «إعادة الوظائف لأمريكا»! إذاً ففرص العمل التي يولدها الاقتصاد هي أثمن ثمرات النمو الاقتصادي، أشبه ما يكون بالحصاد والحصيلة! إذاً، فالتصرف في الوظائف التي يولدها الاقتصاد السعودي، بمنحها لغير سعوديين، هو أمرٌ يجب أن يؤخذ بتحوط وتحفظ وتروٍ وتقصٍ، فتلك الوظائف ثروة وطنية نادرة؛ فكل واحدة من تلك الوظائف قد تعني فتح آفاق لشاب ولأسرة، وتعني تحسين إنتاجية الاقتصاد السعودي، الذي إن تحسنت انتاجيته جَعَلتَ جُلّ مؤشرات اقتصادنا تتجه شمالًا!

أقول: إن السياسة الحالية تتمحور حول الكثير والكثير من الاستقدام، في حين أن ما نحتاجه حالياً سياسة تقوم على الاحلال. ولعل البعض لا يدرك حجم الاستقدام الذي أتحدث عنه، فما صدر من تأشيرات عمل «للقطاع الخاص بعد استبعاد التأشيرات الموسمية واستبعاد العمالة المنزلية ومن واقع البيانات الرسمية» أرقام خيالية لاقتصاد بحجم اقتصادنا السعودي ومعدلات نموه للفترة 2011 - 2015، لنلق نظرة على بيانات الفترة: عدد التأشيرات الصادرة للقطاع الخاص 1.2 مليون تأشيرة العام 2011، 1.6 مليون تأشيرة العام 2012، 950 ألف تأشيرة العام 2013، 1.6 مليون تأشيرة العام 2014، 2 مليون تأشيرة العام 2015، أي أن المتوسط السنوي نحو 1.6 مليون تأشيرة سنوياً، والمعدل الشهري للفترة 130 ألف تأشيرة شهريًا، وهو رقم ضخم، فمثلاً في ديسمبر المنصرم ولّد الاقتصاد الأكبر في العالم «الاقتصاد الأمريكي» 156 ألف وظيفة.

ولعل السياسة الملائمة للوضع الذي يعايشه الاقتصاد السعودي من تحول، وقدرته المحدودة حالياً على توليد الوظائف أن تصبح سياسة الاستقدام تابعة لسياسة الاحلال، أي «السعودة»، كما طرحها قرار مجلس الوزراء الموقر رقم 50 لعام 1415 هـ جرية. إذ يمكن الجدل أن لا فرصة لتواؤم سياسة استقدام «مليونية» «استقدام ما يزيد عن مئة ألف شهريا في المتوسط» مع نمو الاقتصاد محدود ومعدل بطالة 12.1% في أوساط السعوديين، ورؤية طويلة المدى تسعى لتحول الاقتصاد من الريع للإنتاج. بل أن سياسة الاستقدام القائمة لا تتلاءم مع مكافحة التوظيف «الوهمي» للسعوديين، ولا تتلاءم مع مكافحة التستر، ولا تتلاءم مع أن اقتصادنا يتجه بقوة للاستفادة من معطيات الاقتصاد الجديد عالي الكفاءة؟

سوق العمل السعودية أمام تحديات حقيقية، هذه التحديات ليست مستجدة، بل متجذرة. وليس مبرراً أن تعمل سياسات سوق العمل ولاسيما الاستقدام وتوظيف الوافدين وتوظيف السعوديين بمعزل عن الوضع الاقتصادي، ولاسيما لجوء منشآت من القطاع الخاص لفصل الموظفين السعوديين. ولذا فالأمر يتطلب تطبيق سياسات توظيف إحلالية، أي إحلال السعودي محل الوافد ونحن بالتأكيد نتحدث عن الكفء أو تهيئة الكفء، ومن جهة أخرى إعادة كتابة سياسة الاستقدام، ولابد من الأخذ بالاعتبار أن هاتين السياستين «الاحلال والاستقدام» تؤثران تأثيرًا مباشرًا في توازن العرض والطلب في المدى الآني والقصير والمتوسط والطويل. إذ لا يبدو في المدى الآني والقصير أي حلٍ للتعامل مع التشوهات، ولاسيما الحادة من تلك التشوهات، إلا بإعادة الاعتبار لسياسة الاحلال على مستوى منشآت القطاع الخاص، وتطبيقها باعتبارها «رأس حربة» سياسات اصلاح سوق العمل السعودي.

كاتب ومستشار اقتصادي، رئيس مركز جواثا الاستشاري لتطوير الأعمال، عضو سابق في مجلس الشورى