آخر تحديث: 26 / 6 / 2026م - 11:04 م

العابثون بالعقول

سراج علي أبو السعود * صحيفة الشرق

صناعة ثقافة عامة في أمةٍ ما، بحيث تغير معالم شخصيتها، تحتاج لفترة طويلة من العمل الفكري بكافة مجالاته من تعليم وخطابة وتربية وإعلام وكذا بيئة محيطة، والحال كذلك بدرجة أكبر حينما تتمكن ثقافة معينة من مجتمع ما، فإنَّ تغييرها يحتاج لمدة أطول من هذا العمل، نزعة الكراهية التي تمثل أولى مراحل صناعة الإرهاب هي نزعة فكرية في أساسها، ولم تتبلور في شخص إلا حينما وجد مجموعة من الظروف المواتية له في ذلك، لذا وحينما نُدرك أنَّ مجتمعاتنا الإسلامية - ولا أستثني منها أحداً - بدأت تظهر فيها بوضوح نماذج تمثل ذروة التطرف والإرهاب فإنَّ علينا أولاً أن نتساءل عن الأسباب التي أوصلتهم لذلك وعن منهج التصحيح الذي لا بد من سلكه لتصحيح مسارنا وإيقاف استمرار نبوع الإرهابيين من أراضينا.

في اعتقادي أنَّ من أهم أسباب صناعة التطرف الديني تحديدا هي صناعة الدين كحالة من الفكر الإقصائي الذي لا يؤمن بأي شكل من أشكال التعددية ولا يمنح أحداً الحق في الاختلاف، انطلاقاً من ذلك فإنَّ الشعارات الطائفية عادةً ما تكون جذَّابة للناس لا سيما وأنَّ جل ما سمعوه عن الآخر هو عبارات تصب بشكلٍ أو بآخر في جانب التكفير أو التبديع والضلال، لا أقصد هنا بالآخر هو المختلف بالضرورة في الدين أو المذهب، بل حتى المتفق، ذلك أنَّ في كل فكر دوائر أصغر تمثل ما يشبه الفرقة والطائفة، المتطرف هو من يصل به الحال إلى تجريد جميع من هم خارج دائرته الضيقة من الحق، هذا التجريد وإذا ما صاحبه ترويج للعداء الذي يصل في ذروته إلى التصفية الجسدية فإنَّ الإرهاب يتمثل تماماً في هذا الشخص وبغض النظر عن مبادرته إلى تصفية الآخر أو لا، ذلك أنَّ العمل الميداني مرهون بالقدرة وتوفر الظروف، لذا فلا غرابة أن يكون عدد الإرهابيين الحقيقيين الذين هم متعاطفون بشكلٍ أو بآخر مع من بادر بالجريمة يمثلون نسبة قد تكون غير قليلة في المجتمع، التفاعل مع القضايا المختلفة هو ما يظهرهم ويكشف حقيقتهم، فالإنسان - أي إنسان - حينما يجد أنَّ الآخرين لا يستحقون الحياة وبالنتيجة يدعو لتصفيتهم أو لا يكترث بذلك على الأقل فإنَّه إرهابي وإن لم يبادر لعمل شيء، من يتمنى لأخيه الإنسان الظلم والقتل هو إرهابي، وهذا المرض النفسي هو المستشري في مجتماعتنا الإسلامية، ولعل قنوات التواصل الاجتماعي لا سيما تويتر مملوء جداً وبأسماء صريحة لبعضهم في الحث على الكراهية واستعداء الإنسان بل حتى تصفيته.

المستشهدون من قوات الطوارئ الذين نالتهم يد الإرهاب استشهدوا أثناء الصلاة وفي بيت من بيوت الله، أما بيان داعش فقد استخدم كلمة «مرتدين» بحقهم، وهذا يؤكد على أنَّ القضية ليست في الاختلاف المذهبي أو الديني، بل هي في الاختلاف في دائرة ضيقة جداً بحيث يُعتبر كل من هو خارجها مرتدا أو كافرا يستحق القتل، داعش بهذه العملية تؤكد أنّ مشكلتها الحقيقية هي في أحقية المختلف معها في الوجود، حينما ترى داعش ذلك فإنَّ عملياتها المستمرة ستبقى ضد الإنسان، الإنسان هنا هو الشيعي والسني، هو المسلم وغير المسلم، هو الموجود أو من مضى أو حتى من سيأتي إلى هذا العالم، كل هؤلاء مستهدفون، أما مواجهتهم الحقيقية فهي في ترسيخ ثقافة الاختلاف التي تدعو إلى البر والإحسان والعدل مع الناس جميعاً، ترسيخ ثقافة تجعل الناس يحبون بعضهم بعضا بغض النظر عن اختلافهم الفكري أو الديني أو المذهبي، ترسيخ هذه الثقافة بواسطة جميع الجهات من تعليم ومساجد وصحافة وتليفزيون وإذاعة، كل ذلك وإذا ما تم فلن تكون النتيجة فورية الحدوث، فما بني في سنوات طويلة من الكراهية يحتاج لسنوات أطول في تصحيح النفوس وصناعة الحب تجاه الإنسان.