آخر تحديث: 26 / 6 / 2026م - 11:04 م

المبنى والمنهج

سراج علي أبو السعود * صحيفة الشرق

الحديث عن التعليم هو في حقيقته حديث عن جانبين مهمين، أولهما المبنى النموذجي، الذي يتيح للطلاب كل ما يحتاجون إليه من فصول مجهزة بتقنيات التعليم الحديثة، ومعامل، ومختبرات، ومرافق رياضية، وغيرها، وثانيهما المناهج العلمية اللائقة بقدرات الأطفال العظيمة، والقادرة على جعل الطفل في سن مبكرة طفلاً لائقاً من الناحية الأخلاقية، والعلمية، ومستعداً بعد التخرج للإسهام في بناء الوطن في أيٍّ من جهاته المختلفة. أول هذين الجانبين أظنه بالفعل قد تحقق على يد معالي وزير التعليم الدكتور عزام الدخيل، الذي افتتح في مايو الجاري أول مشروع مدرسي متكامل، يحوي جميع تلك الجوانب، وبشكل يمكن وصفه بالمبهر، ولا شك أن بادرة كهذه تستحق الإشادة والتقدير، غير أن ذلك الجانب الآخر الموازي للمبنى، والمتعلق بجودة التعليم، ينبغي له أن يرى النور بنفس المستوى الذي تحقق في هذا المشروع المدرسي، الذي نتمنى قريباً استنساخه في جميع مدن المملكة.

تجار العلم، هم أولئك الذين استثمروا أموالهم في بناء مدارس، يتحقق فيها كلا الجانبين من مبانٍ حديثة، وتعليم جيد نسبياً، ومدارسهم جلبت مناهج عالمية، وتم تدريسها بلغتها الأصلية، الإنجليزية، كما اهتمت باللغة العربية، والمواد الإسلامية، فحققت شكلاً متكاملاً من التعليم، يلمس الآباء تطور أبنائهم بوضوح في هذه المدارس حينما يكونون من الناحية العلمية والرياضية متميزين، وكذا من خلال لغتهم الإنجليزية، التي يجيدونها ك «لغة أم»، وتساعدهم على اكتشاف عالم «هائل» من المؤلفات العلمية المكتوبة بهذه اللغة، وبالنتيجة يملكون كثيراً من الأسباب، التي تجعلهم يسارعون في التعلم، علاوة على أهم الجوانب، وهي بناء الشخصية المبدعة، والقادرة دائماً على التفكير دون أن يكمِّم أفواهها مدرس من أولئك الذين عاصرناهم في دراستنا، فكانوا بحق «نماذج رائعة» في جعلنا نكره حتى المرور إلى جانب أسوار المدرسة. بطبيعة الحال ليست جميع المدارس الخاصة بهذا المستوى، ولكن قلة منها استطاعت توفير ذلك، ومنحت طلابها تعليماً متميزاً، كما أنها استغلت احتكارها «استغلالاً رائعاً» أيضاً في زيادة أسعارها بشكل شبه سنوي، والحجة هي تكاليف تشغيلها الباهظة، كما تدعي، في حين يجهل بعض أصحابها أن الناس ليست قطيعاً من المغفلين، الذين لا يدركون المعنى الحقيقي ل «تكاليف التشغيل» وبالنتيجة معرفة ما إذا كان التاجر يبتز الناس بواسطة احتكاره، أو أنه بالفعل صادق في أسبابه.

في الستينيات، وفي مدارس أرامكو تحديداً، كانت هناك بالإضافة للمناهج المتداولة الآن في مدارسنا كثيرٌ من المواد المهمة الأخرى، حيث كان الطفل يدرس التصوير والتحميض، ويدرس الصناعة، والنجارة، والزراعة، والفنون، والرياضة بأنواعها، وكان الطفل يجيد على الأقل لغة ثانية غير لغته، وهي الإنجليزية، بطلاقة، علاوة على مدرسيها اللائقين بممارسة التدريس، وكانت المدرسة تعتبر شكلاً رائعاً من أشكال التعليم الراقي. هذا النموذج كان قبل خمسٍ وخمسين سنة في أرامكو. التعليم الحكومي وحتى الساعة لم يحقق هذا المستوى. هذه هي أهم الأسباب التي تجعل تجار العلم في عجلة من أمرهم لاستنزاف دخل المواطن، ولا أظن أن هذا الاستنزاف سينتهي إلا إذا بادر وزير التعليم الدكتور عزام بوضع نموذج راقٍ للتعليم، يتناسب مع مبادئ بلادنا، وقيمها، ويصنع جيلاً متفوقاً علمياً، ويتقن أكثر من لغة، ويستطيع أن يكون دعامة حقيقة في بناء مستقبل رائع لهذا الوطن العزيز.