آخر تحديث: 26 / 6 / 2026م - 11:04 م

الكراهية المطلوبة

سراج علي أبو السعود * صحيفة الشرق

إن تجربة رمي محفظة نقود في مكان عام في عدد من الدول «الكافرة»، وعدم أخذها من قِبل أي مواطن هناك، بل بالعكس تماماً هناك مَنْ التقطها، وبادر بالسؤال عن صاحبها قبل أن يسلِّمها إلى الشرطة، فيما ذات التجربة حينما أجريت في بلد إسلامي لم يسلِّمها أحد إلى الشرطة، بل أخذها لنفسه، وأحدهم أقسم كذباً بأنه لم يأخذها، هذه التجربة لا تثبت أن المشكلة في الدين، بل تثبت في المقام الأول أن القانون يرتقي بالأخلاق ليجعل مفهوم الإنسانية متحققاً في الإنسان بغضِّ النظر عن دينه.

لماذا لا نكون مثلهم؟ لأننا باختصار لا نملك حزمة قوانين وعقوبات رادعة في أدق التفاصيل مثلما لديهم، وإلى ذلك الحين الذي يتحقق فيه كل ذلك سنبقى كما نحن.

في زيارتي لإحدى الدول الأوروبية أثناء إجازة العيد، وأثناء تنقلاتي الكثيرة، لا أذكر أن «كافراً» ازدراني رغم «سحنتي المسلمة»، لا أنا ولا أي فرد من عائلتي، وإذا فتحتُ خريطة الميترو «underground»، فإني عادة ما أجد مَنْ يريد إرشادي، وعلى الرغم من أنهم في عقيدتي كفارٌ، حسب الآية الكريمة «لقد كفر الذين قالوا إن الله هو المسيح ابن مريم»، والآية الكريمة «لقد كفر الذين قالوا إن الله ثالث ثلاثة»، إلا أن أحداً لا يزدريني لذلك، وربما هو لا يعلم بهاتين الآيتين من الأساس. أما نحن؛ فإن كثيراً من شبابنا، و» ببركة القنوات الفضائية»، يحفظون أن الكتاب الفلاني للمذهب الآخر، وفي جزئه الفلاني، وصفحته وسطره الفلاني، وردت فيه إساءة إلينا، وبالنتيجة فإننا ينبغي أن نكرهه، ونحقد على كل مَنْ يعتقد بذلك القول، لأن غيرتنا الإيمانية هي التي تحفزنا لهذا «الموقف النبيل».

بالمقارنة بيننا وبينهم في مصطلح الكراهية وتطبيقاته، فإننا نجدهم يكرهون التعدي على حقوقهم، وعلى النظام، ويكرهون المحسوبيات والفساد الإداري، ويحرضون ضد مَنْ يقوم به، لذلك فإن عنوان الفساد بأشكاله الكثيرة يكاد أن يكون نادر جداً في مجتمعاتهم، وهذا ما جعلهم يسابقون الزمن في التنمية والتطور والتقدم، أما في مجتمعاتنا الإسلامية، فلو امتلك أي شخص نسبة قليلة من الحقد، الذي في قلوب «داعش» ضد الإنسانية والحياة، وكل شيء، لو امتلكها ضد مخالفة القوانين والفساد، لأصبحنا بألف نعمة وخير، ولكن كيف لنا ذلك ونسبة من منابرنا في العالم الإسلامي لا تريد إلا ترسيخ الكراهية ضد الآخرين، يدعو ويبكي وهو يحرض ضد مَنْ يخالفه في المذهب، ولكن دمعة أسى وحزن واحدة على مخالفة الناس القوانينَ والأنظمة لا يذرفها.

في تصوري أننا نحتاج إلى منابر الكراهية أكثر من أي وقتٍ مضى، تنمية ثقافة رفض الخطأ عموماً، وكرهه كمرحلة سابقة للتحريض ضد مخالفيه أمر مهم لبناء مجتمع أكثر تقدماً، كما نحتاج إلى إيقاف إشغال النشء بما يجعله يكره أخاه الإنسان، الإنسان في كل مكان يجلس صباحاً ليعمل، وينفق على عائلته، ليوفر لها حياة كريمة، هذا هو الإنسان عادة في كل الدنيا، بعضهم يظن أن مَنْ يخالفه في المذهب، أو الدين يجلس كل صباح ليبدأ في التخطيط للإطاحة به، وإيذائه، الناس أيها الناس يريدون الحياة الكريمة والأمن والصحة ولا شيء سوى ذلك، الأفكار والأذواق والأديان هي أمور شخصية، وكفى، مَنْ يحاول إشغال الناس بالناس هو رجل فتنة وطائفي، ولا يريد الخير لهم ولا لغيرهم.

أديان ولغات وألوان وأعراق كثيرة جداً في بلاد الله المتقدمة، وعادة ما يعيشون بأُلفة ومحبة وسلام دون أن يسعى أحد إلى شق قلوبهم ومعرفة ما يكنونه تجاه غيرهم، أما بعض بني جلدتنا فإن الكره، الذي في قلبه يجعله في أعلى مراتب الاطمئنان، وهو يقتل والده الذي رباه، وأنفق «دم قلبه» عليه، وعند قتل مصلين استجابوا يوم الجمعة إلى نداء ربهم عز وجل. منابر التحريض ضد الناس إذا ما توقفت، وتوقف معها تأليف مئات الكتب من التراشق المذهبي دونما كتاب علمي واحد في خدمة الإنسانية، حينما يتوقف كل ذلك، فإننا سننشغل بتنمية أنفسنا ومجتمعاتنا على حساب ما يجعلنا كل يوم متخلفين أكثر وأكثر.